المغرب يراهن على النفايات لإنتاج الكهرباء

الكاتب : الجريدة24

09 August 2026 - 07:00
الخط :

يتجه المغرب إلى تعزيز موقعه في مجال الاقتصاد الدائري وتثمين النفايات، من خلال مشروع استراتيجي مرتقب بمدينة الدار البيضاء، تصل قيمة استثماراته إلى نحو 1.3 مليار يورو، ويعد من بين أضخم المشاريع التي تعتمد تحويل النفايات إلى طاقة على مستوى القارة الإفريقية.

وحظي المشروع باهتمام وسائل إعلام برتغالية، من بينها الموقع المتخصص في التحول الطاقي والاقتصاد الدائري (jornalptgreen)، الذي سلط الضوء على المنشأة المرتقبة باعتبارها تجربة غير مسبوقة في المغرب من حيث الجمع بين المعالجة المندمجة للنفايات والتثمين الطاقي لمكوناتها.

ويرتقب أن تقام المنشأة بالقرب من مطرح مديونة، وأن تصل قدرتها إلى معالجة حوالي 1.5 مليون طن من النفايات الحضرية سنوياً، مع إمكانية إنتاج ما يقارب 1 تيراواط/ساعة من الكهرباء، في مشروع يراد منه إعادة رسم طريقة تدبير النفايات على مستوى جهة الدار البيضاء-سطات.

ويستهدف المشروع، على الخصوص، تغيير النموذج الحالي القائم بدرجة كبيرة على طمر النفايات، من خلال الرفع بشكل كبير من نسبة النفايات التي يجري تثمينها والاستفادة منها، حيث يرتقب أن يصل معدل التثمين إلى حوالي 80 في المائة، بما يساهم في تقليص حجم النفايات الموجهة إلى المطامر وتعزيز الاستفادة من موارد كانت تعتبر في السابق عبئاً بيئياً.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للدار البيضاء الكبرى، التي يتجاوز عدد سكانها 4.2 مليون نسمة، بالنظر إلى الحجم المتزايد للنفايات الحضرية التي تنتجها المنطقة، وما يفرضه ذلك من تحديات مرتبطة بالمعالجة والتخلص الآمن منها، إلى جانب الحاجة إلى حلول أكثر استدامة وانسجاماً مع التحولات التي يعرفها قطاع الطاقة.

ومن المنتظر أن ينعكس المشروع كذلك على سوق الشغل، سواء خلال مرحلة إنجازه أو بعد دخوله حيز الاستغلال. ووفق المعطيات المتداولة، فإن فترة البناء، التي يتوقع أن تمتد لنحو ثلاث سنوات ونصف، ستتطلب تعبئة حوالي 1,240 عاملاً، إضافة إلى نحو 300 منصب شغل مرتبط بالبنيات التحتية والمرافق الموازية للمشروع.

وبعد الانتقال إلى مرحلة الاستغلال، يرتقب أن توفر المنشأة حوالي 140 منصب شغل دائم ذي طابع مؤهل، وهو ما يعكس جانباً آخر من أهداف المشروع، لا يقتصر على معالجة النفايات وإنتاج الكهرباء، وإنما يشمل أيضاً خلق فرص عمل مرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة وتدبير المنشآت الطاقية والبيئية.

ويقوم المشروع على شراكة تجمع بين الشركة المغربية "Nareva" والشركة السويسرية "Kanadevia Inova" والمجموعة اليابانية "Itochu"، في إطار نموذج استثماري يجمع الخبرة المغربية بالخبرات الدولية في مجالات معالجة النفايات وإنتاج الطاقة.

وفي هذا الإطار، جرى إبرام عقد امتياز مع جماعة الدار البيضاء، إلى جانب اتفاقيات مرتبطة بتسويق الكهرباء المنتجة من المنشأة، مع الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء-سطات والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، وفق المعطيات التي أوردتها الشركة السويسرية بشأن المشروع.

ولا تقتصر المنشأة على معالجة النفايات فقط، إذ ستضم منظومة لإنتاج الكهرباء بقدرة مركبة تصل إلى حوالي 126 ميغاواط، إلى جانب محطة للطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة تبلغ 50 ميغاواط ذروة، فضلاً عن نظام مخصص لاسترجاع الغاز الحيوي الناتج عن المطرح بقدرة تصل إلى 4 ميغاواط.

وتشير المعطيات الخاصة بالمشروع إلى أن منظومة الإنتاج المتكاملة ستتيح توفير كمية من الطاقة الكهربائية قادرة على تغطية احتياجات ما يقارب مليون نسمة، وهو ما يمنح المشروع بعداً إضافياً باعتباره جزءاً من جهود تنويع مصادر إنتاج الكهرباء وتعزيز الاستفادة من الموارد المحلية.

ويأتي هذا المشروع في وقت يشهد فيه العالم ارتفاعاً مستمراً في الطلب على الكهرباء، في ظل توسع النشاط الاقتصادي والتحول المتسارع نحو الرقمنة والكهربنة. ولا يستثنى المغرب من هذه الدينامية، إذ تشير التوقعات إلى إمكانية ارتفاع الطلب الوطني على الكهرباء بمعدل يقارب 3 في المائة سنوياً إلى غاية سنة 2030.

وفي هذا السياق، تبرز تقنية التثمين الطاقي للنفايات كأحد الحلول التي يمكن أن تجمع بين معالجة جزء من مشكلة النفايات وتوفير مصدر إضافي لإنتاج الطاقة. فبدل الاقتصار على طمر النفايات، تسمح هذه المقاربة باستعادة جزء من الطاقة الكامنة فيها وتحويلها إلى كهرباء، مع الحد في الوقت نفسه من بعض الانبعاثات المرتبطة بطرق الطمر التقليدية.

ويرتبط الجانب البيئي للمشروع بشكل خاص بالحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وفي مقدمتها غاز الميثان الناتج عن تحلل النفايات العضوية داخل المطامر. ومن شأن الانتقال نحو التثمين الطاقي، وفق المعطيات المرتبطة بالمشروع، أن يساهم في تقليص هذه الانبعاثات، بالتوازي مع إنتاج الكهرباء.

كما تم تصميم المنشأة بما يسمح مستقبلاً بإدماج تقنيات التقاط الكربون وتخزينه، وهو توجه يفتح المجال أمام تطوير المشروع وفق المتطلبات المناخية المستقبلية، خصوصاً مع ارتفاع الضغوط الدولية لتقليص الانبعاثات وتسريع وتيرة إزالة الكربون من مختلف القطاعات الاقتصادية.

ويعكس المشروع، في بعده الاستراتيجي، توجه المغرب نحو البحث عن حلول تجمع بين معالجة التحديات البيئية والاستجابة للحاجيات الطاقية المتزايدة، خصوصاً في المدن الكبرى التي تواجه ضغوطاً متنامية مرتبطة بالنمو السكاني والتوسع العمراني وارتفاع حجم النفايات المنتجة.

وبالنسبة للدار البيضاء، فإن المشروع يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الكتلة السكانية والاقتصادية للمدينة ومحيطها، إذ يمكن أن يشكل، في حال دخوله حيز الاستغلال وفق الأهداف المعلنة، تحولاً مهماً في طريقة تدبير النفايات الحضرية، من خلال الانتقال التدريجي من منطق التخلص منها إلى التعامل معها باعتبارها مورداً يمكن استثماره اقتصادياً وطاقياً.

ومع تقدم تنفيذ المشروع، ستتجه الأنظار إلى مدى قدرة هذه المنشأة على تحقيق أهدافها المرتبطة بنسبة تثمين النفايات وإنتاج الكهرباء وتقليص الانبعاثات، فضلاً عن أثرها على منظومة تدبير النفايات في الدار البيضاء. وإذا نجحت في بلوغ المؤشرات المستهدفة، فقد تتحول التجربة إلى نموذج قابل للتطوير والتكرار في مدن مغربية أخرى تواجه تحديات مماثلة في مجال النفايات والطاقة.

آخر الأخبار