ضغط نقابي قبل الانتخابات.. قانون مالية 2027 يضع حكومة أخنوش على المحك
لا تزال التحضيرات لمشروع قانون المالية لسنة 2027 تفرض نفسها بقوة على النقاش العمومي، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، حيث يتقاطع البعد السياسي مع رهانات اقتصادية واجتماعية دقيقة، في سياق يتسم بارتفاع التطلعات الشعبية وتزايد الضغوط النقابية.
هذا التداخل بين الزمن الانتخابي ومسار إعداد الميزانية يطرح أسئلة جوهرية حول هامش تحرك الحكومة الحالية، وحدود قدرة الحكومة المقبلة على إعادة توجيه الاختيارات المالية الكبرى.
في هذا الإطار، برزت دعوات نقابية متصاعدة إلى إعادة تفعيل آلية الحوار الاجتماعي، حيث دعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلى عقد جولة جديدة خلال شتنبر المقبل، مخصصة لمناقشة التوجهات المرتبطة بمشروع قانون المالية وتنفيذ الالتزامات الاجتماعية السابقة.
وجاءت هذه الدعوة عبر مراسلة رسمية وجهها المكتب التنفيذي للنقابة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، شدد فيها على ضرورة فتح نقاش مؤسساتي مستعجل حول الأولويات الاجتماعية والاقتصادية.
وترى الكونفدرالية أن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتم في سياق اجتماعي معقد، يتسم باستمرار ارتفاع معدلات البطالة واتساع رقعة الشغل الهش وغير المنظم، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية وارتفاع مديونية الأسر، فضلا عن تعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية واستمرار الخصاص في عدد من الخدمات العمومية.
وتعتبر النقابة أن مؤشرات النمو المسجلة خلال السنوات الأخيرة لم تنعكس بشكل ملموس على تحسين أوضاع المواطنين، سواء من حيث الدخل أو فرص الشغل أو جودة العيش.
وتؤكد النقابة أن الحوار الاجتماعي ينبغي أن يتجاوز طابعه التشاوري الظرفي، ليصبح آلية مؤسساتية فاعلة تدمج المقترحات النقابية في صلب إعداد السياسات العمومية، خاصة تلك المرتبطة بالاختيارات المالية الكبرى.
وفي هذا السياق، شددت على ضرورة احترام مقتضيات ميثاق مأسسة الحوار الاجتماعي الموقع في أبريل 2022، والداعي إلى انتظام جولات الحوار وتوسيع نطاقها.
وتتقدم المطالب النقابية، وفق نفس المصدر، إقرار زيادة عامة في الأجور والمعاشات لتعويض التراجع المتراكم في القدرة الشرائية، إلى جانب تخفيض الضريبة على الدخل بهدف التخفيف من العبء الجبائي على الأجراء.
كما دعت إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لضبط الأسعار ومحاربة الاحتكار والمضاربة، وتشديد مراقبة مسالك التوزيع وهوامش الربح، خاصة في ما يتعلق بالمواد الأساسية والمحروقات.
وفي السياق ذاته، شددت الكونفدرالية على أن الالتزامات الاجتماعية السابقة تمثل “دينا في ذمة الحكومة”، داعية إلى تضمينها ضمن مشروع قانون المالية المقبل عبر اعتمادات مالية واضحة.
وتشمل هذه الالتزامات تحسين الدخل، وإحداث درجة جديدة للترقي، وتسوية الملفات العالقة لفئات مهنية متعددة، من مهندسين وتقنيين وممرضين ومساعدين إداريين، إضافة إلى تنفيذ مخرجات الحوارات القطاعية المختلفة.
بموازاة ذلك، تطالب النقابة بإصلاح جبائي شامل يحقق العدالة الضريبية، عبر توسيع مساهمة الثروات الكبرى والأنشطة الريعية، وتقليص الاعتماد على الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل الفئات المتوسطة والضعيفة.
كما تدعو إلى توزيع أكثر توازنا للاستثمار العمومي، وتوجيهه نحو القطاعات المنتجة والمولدة لفرص الشغل، مع تعزيز الخدمات العمومية في مجالات التعليم والصحة والنقل والسكن.
في المقابل، تكشف المذكرة التوجيهية الخاصة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، التي وجهها رئيس الحكومة بموجب المنشور رقم 12/2026 بتاريخ 5 غشت 2026، عن رؤية حكومية تسعى إلى تحقيق التوازن بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية والحفاظ على استقرار المالية العمومية. وتؤكد الوثيقة أن الانتخابات التشريعية المقبلة، رغم أهميتها السياسية، لن تؤثر على استمرارية الأوراش الاستراتيجية التي انخرطت فيها المملكة.
وترتكز هذه الرؤية على أربع أولويات رئيسية، تشمل تعزيز الدينامية الاقتصادية، وتقليص الفوارق المجالية، وترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية مع الحفاظ على التوازنات المالية.
وتراهن الحكومة على تحقيق معدل نمو يبلغ 4.1 في المائة سنة 2027، بعد توقع بلوغه 5.3 في المائة سنة 2026، مدعوما بانتعاش القطاع الفلاحي بنسبة 15.1 في المائة، واستمرار نمو الأنشطة غير الفلاحية بنسبة 4.2 في المائة.
وعلى مستوى المالية العمومية، تستهدف الحكومة تقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وخفض نسبة المديونية إلى حوالي 65 في المائة سنة 2027، مع توجه تنازلي نحو 63 في المائة في أفق 2029.
كما تسجل المؤشرات تحسنا ملحوظا، حيث تراجع العجز من 7.1 في المائة سنة 2020 إلى 3.5 في المائة سنة 2025، فيما ارتفعت الموارد العادية من 256.2 مليار درهم سنة 2021 إلى 424.2 مليار درهم سنة 2025.
وتولي الحكومة أهمية خاصة للاستثمار في البنيات التحتية، من خلال مشاريع كبرى تشمل توسيع شبكة الطرق السيارة التي بلغت 1800 كيلومتر، وتنفيذ مشاريع سككية كتمديد خط القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش على طول 430 كيلومترا، إلى جانب تطوير المطارات في إطار استراتيجية “مطارات 2030” لرفع طاقتها إلى 80 مليون مسافر سنويا.
وفي المجال الاجتماعي، تبرز الحكومة حصيلة برامجها، حيث يشمل الدعم الاجتماعي المباشر حوالي 4 ملايين أسرة بكلفة شهرية تصل إلى 2.2 مليار درهم، فيما تجاوزت التحويلات الإجمالية 64.2 مليار درهم منذ 2023. كما ارتفعت نسبة التغطية الصحية إلى أكثر من 87 في المائة، مع برامج لتأهيل 1600 مؤسسة صحية وإصلاح 90 مستشفى.
وفي قطاع التعليم، يرتقب أن يصل عدد مؤسسات “الريادة” إلى 6562 مدرسة ابتدائية خلال موسم 2026-2027، مع توسيع التجربة إلى 1363 إعدادية، واستمرار تعميم التعليم الأولي بنسبة بلغت 80 في المائة، إلى جانب دعم 3.2 ملايين تلميذ في إطار برنامج “مليون محفظة”.
كما تواصل الحكومة دعم المواد الأساسية بغلاف 13.2 مليار درهم، وتخصيص 3.9 مليارات درهم لتنفيذ مخرجات الحوار الاجتماعي، الذي رفع متوسط الأجر الصافي في القطاع العام إلى 10 آلاف و600 درهم سنة 2025، مقابل 8237 درهما سنة 2021، فيما ارتفع الحد الأدنى للأجور إلى 4500 درهم.
وفي مجال السكن، استفادت أكثر من 111 ألف أسرة من برنامج الدعم المباشر إلى غاية 3 يوليوز 2026، بكلفة تفوق 9.1 مليارات درهم، مع إعلان 62 مدينة بدون صفيح وتحسين ظروف عيش أكثر من 384 ألف أسرة بنسبة إنجاز بلغت 76 في المائة.
وتشمل الاستثمارات كذلك الأمن المائي، عبر مشاريع لتحلية مياه البحر وبلوغ قدرة إنتاجية تصل إلى 1.7 مليار متر مكعب سنويا بحلول 2030، إضافة إلى تعزيز الربط بين الأحواض المائية واستعمال الطاقات المتجددة.
وفي ختام المذكرة، دعا رئيس الحكومة مختلف القطاعات إلى ضبط النفقات وترشيدها، مع إيداع مقترحات الميزانية قبل 31 غشت 2026، تمهيدا لإحالة المشروع على البرلمان داخل الآجال الدستورية، في مسعى يعكس حرص السلطة التنفيذية على تحقيق توازن دقيق بين الاستجابة للانتظارات الاجتماعية ومواصلة مسار الإصلاحات الاقتصادية.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يبدو أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 لن يكون مجرد وثيقة تقنية لتدبير الموارد والنفقات، بل سيشكل اختبارا سياسيا واقتصاديا حقيقيا لقدرة الفاعلين على التوفيق بين متطلبات الاستقرار المالي وضغوط العدالة الاجتماعية، في مرحلة مفصلية من المسار الديمقراطي للمملكة.