رغم تراجع تشغيل الأطفال.. تقرير رسمي يحذر من استمرار مخاطر العنف وتزويج القاصرين

الكاتب : الجريدة24

12 August 2026 - 09:00
الخط :

دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى تعزيز آليات حماية الطفولة بالمغرب وتطوير الإطار المؤسساتي والتدابير المعتمدة للتدخل، محذرا في المقابل من استمرار عدد من مظاهر الهشاشة التي تؤثر في مسارات الأطفال، من قبيل تشغيل الأطفال وتزويج القاصرين والعنف والانقطاع عن الدراسة، وما يرتبط بها من عوامل اقتصادية وأسرية ومجالية.

وأوضح المجلس، ضمن معطياته حول وضعية حماية الطفولة، أن ورش حماية الطفولة خلال السنة الماضية نجح في تعزيز تدابيره من خلال تنزيل البرنامج الوطني التنفيذي الثاني للفترة 2023-2026 للسياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة للفترة 2015-2025، إلى جانب الشروع في تفعيل الأجهزة الترابية ووحدات القرب.

وتعززت هذه الدينامية، وفق المعطيات نفسها، بإعداد مشروع القانون رقم 29.24 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة وبمراكز حماية الطفولة التابعة لها وبمؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة بالأطفال، والذي أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بشأنه رأياً سنة 2026.

كما تم إحداث اللجان الإقليمية لحماية الطفولة على مستوى مجموع العمالات والأقاليم، وبرمجة إحداث وحدات لحماية الطفولة في الأقاليم التي لا تتوفر عليها بعد.

وفي السياق ذاته، شكل اقتناء 20 وحدة متنقلة للمساعدة الاجتماعية وتوزيعها على مستوى 20 إقليماً تطوراً مهماً من شأنه تقريب خدمات الوقاية والتوجيه والتكفل بالأطفال الأكثر عرضة لتعثر مسارات الحياة، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز التدخل الميداني وتقريب خدمات الحماية من الفئات المستهدفة.

غير أن هذه التطورات، بحسب المجلس، تعكس تعزيزاً تدريجياً للإطار المؤسساتي لحماية الطفولة، لكنها تأتي في سياق لا تزال فيه عدة مظاهر للهشاشة تؤثر في مسارات الأطفال، وتطرح تساؤلات حول مدى فعالية آليات الحماية المعمول بها وقدرتها على الوقاية المبكرة والتدخل في الوقت المناسب.

وفي ما يتعلق بتشغيل الأطفال، تشير المعطيات إلى أن عدد الأطفال النشيطين المشتغلين الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة بلغ 103 آلاف طفل خلال سنة 2025، مسجلاً انخفاضاً يناهز 59 في المائة مقارنة بسنة 2017، وهو ما يؤكد استمرار المنحى التنازلي لهذه الظاهرة، رغم استمرار ارتباطها الوثيق بالانقطاع عن الدراسة.

وتكشف المعطيات أن 88 في المائة من الأطفال المشتغلين غادروا المدرسة، بينما يقوم 58.4 في المائة من هؤلاء الأطفال بأشغال خطيرة، وهو ما يبرز الطابع المتعدد الأبعاد لظاهرة تشغيل الأطفال، التي تنتج غالباً عن تضافر عوامل الهشاشة الاقتصادية وضعف ظروف العيش وتعثر المسارات التعليمية.

ويرى المجلس أن هذه الوضعية تجعل الدعم الاجتماعي المباشر رافعة مكملة للوقاية من تشغيل الأطفال، من خلال التخفيف من الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر الأكثر هشاشة، وذلك في إطار مقاربة مندمجة تجمع بين الإبقاء على التلاميذ داخل منظومة التربية والتكوين، والوقاية من الهدر المدرسي، ومواكبة الأسر.

وتندرج ظاهرة تزويج القاصرين بدورها ضمن المنحى التنازلي، إذ بلغ عدد الطلبات المسجلة خلال السنة الماضية ما مجموعه 15 ألفاً و639 طلباً، مقابل 16 ألفاً و755 طلباً سنة 2024، و20 ألفاً و192 طلباً سنة 2023، بما يؤكد التراجع التدريجي للظاهرة.

ورغم هذا الانخفاض في عدد الطلبات، بلغ عدد الطلبات التي حصلت على الموافقة 9 آلاف و750 طلباً، أي بنسبة 61.58 في المائة من مجموع الطلبات الرائجة. أما المؤشرات الرئيسية للظاهرة فلم تعرف تغييراً يذكر، إذ تهم 99.25 في المائة من الطلبات فتيات قاصرات، بينما سجلت 78.55 في المائة منها بالوسط القروي، كما تهم 92.70 في المائة منها قاصرين غير متمدرسين.

وتبرز هذه المعطيات استمرار عوامل الهشاشة البنيوية المرتبطة بتزويج الطفلات، ولا سيما الانقطاع عن الدراسة والتفاوتات المجالية والفوارق بين الجنسين، كما تثير مجدداً مدى فعلية الطابع الاستثنائي للإذن القضائي بزواج القاصرين.

ويظل العنف ضد الأطفال من أبرز مظاهر هشاشة هذه الفئة، ولا سيما بالنسبة إلى الفتيات، إذ تظل مستويات العنف المصرح به من طرف الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و19 سنة مرتفعة، مع انتشار أكبر في الوسط الحضري.

ويعد العنف النفسي أكثر أشكال العنف انتشاراً، بينما يظل الوسط الأسري الفضاء الرئيسي للتعرض له. وفي المقابل، تشير المعطيات إلى ارتفاع بعض أشكال العنف المبلغ عنها بين سنتي 2024 و2025، بالتوازي مع تزايد اللجوء إلى عدد من تدابير الحماية، من قبيل إحالة الضحية على مراكز الاستشفاء قصد العلاج، والإيداع لدى جمعية ذات منفعة عامة أو مؤسسات عمومية مكلفة برعاية الطفولة، فضلاً عن منع المعتدي من الاقتراب من الضحية أو التواصل معها بأي وسيلة.

وتبرز هذه التطورات أهمية تعزيز الكشف المبكر عن حالات العنف والتبليغ عنها، وتقوية المواكبة النفسية والاجتماعية للضحايا، إلى جانب تعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين في المجالات التربوية والاجتماعية والصحية والقضائية، بما يسمح بتدخل أكثر سرعة وفعالية في حالات الخطر.

ورغم اختلاف أشكال الهشاشة التي تواجه الأطفال، فإن المعطيات الواردة في تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تكشف وجود عدد من القواسم المشتركة بينها، إذ يتداخل الفقر والانقطاع عن الدراسة والهشاشة الأسرية والتعرض للعنف وضعف الكشف المبكر عن المخاطر، وهي عوامل تتضافر فيما بينها وتزيد من احتمال تعثر مسارات الأطفال.

ويؤكد المجلس، في هذا السياق، أن تشغيل الأطفال وتزويج القاصرين والعنف ضد الأطفال لا تمثل إشكاليات منفصلة، بل تعكس مظاهر هشاشة مترابطة تستدعي اعتماد مقاربة عمومية شمولية ومنسقة ترتكز أساساً على الوقاية.

ويعكس هذا التصور انتقال ملف حماية الطفولة من معالجة الحالات بعد وقوعها إلى تعزيز الوقاية والكشف المبكر والتدخل المنسق، مع ضرورة مواصلة تطوير الخدمات الترابية وتقريبها من الأطفال والأسر، بما يضمن استجابة أكثر فعالية لمختلف المخاطر التي قد تعترض مسارات الأطفال التعليمية والاجتماعية والأسرية.

وتبرز الأرقام الواردة في المعطيات أهمية هذا التحدي، فرغم تسجيل انخفاض بنسبة 59 في المائة في عدد الأطفال المشتغلين مقارنة بسنة 2017، واستمرار تراجع طلبات تزويج القاصرين من 20 ألفاً و192 طلباً سنة 2023 إلى 16 ألفاً و755 سنة 2024 ثم 15 ألفاً و639 سنة 2025، فإن استمرار ارتفاع نسبة الموافقة على هذه الطلبات، وارتباطها الكبير بالفتيات القاصرات والقاصرين غير المتمدرسين، يؤكد الحاجة إلى مواصلة العمل الوقائي وتعزيز حماية الأطفال داخل الأسرة والمدرسة والمجال الترابي.

وبذلك، يضع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حماية الطفولة أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في مواصلة بناء منظومة مؤسساتية أكثر تكاملاً وفعالية، وفي الوقت نفسه معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والتربوية التي تغذي مظاهر الهشاشة، بما يجعل الوقاية والتدخل المبكر والتنسيق بين مختلف المتدخلين عناصر أساسية لضمان حماية أفضل للأطفال وتحسين مساراتهم داخل المجتمع.

آخر الأخبار