"مكالمة فائته".. إسطنبول كما يرويها غرباؤها

الكاتب : الجريدة24

13 August 2026 - 09:10
الخط :

تفتح المجموعة القصصية "مكالمة فائته.. حكايات عبرت البسفور" للكاتب الليبي عبدالله عزالدين أبوبكر، فتجد نفسك أمام إسطنبول مختلفة عن تلك التي نعرفها في الصور والإعلانات. لا جسور مضاءة ولا قصور سياحية، بل شقق مكتظة، وطلاب حائرون، ومهاجرون ينتظرون أوراق الإقامة، ومرضى يخوضون ساعاتهم الأخيرة بعيدًا عن أوطانهم.

تضم المجموعة، الصادرة عن دار الرؤية الجديدة، أربع عشرة قصة تجمعها المدينة، فيما تتعدد جنسيات أبطالها وبيئاتهم. المصري والسوداني واليمني والفلسطيني والسوري والداغستاني والتركي والغجري يمرون جميعًا من إسطنبول، لكن كل واحد منهم يحمل إليها وطنًا آخر وجرحًا مختلفًا.

تلفت الانتباه «شقة المصريين» بما فيها من سخرية مرة؛ عشرة شبان يعيشون في مكان يسمونه «علبة السردين»، ويواجهون ضيق المعيشة وتعقيدات الإقامة بالنكتة والتضامن. وفي «الزول» يخفي طالب سوداني هويته العربية بحثًا عن قبول أسهل، بينما تضعنا «يعقوب السعودي» أمام شاب يمني نشأ في السعودية، فلا يشعر بانتماء كامل إلى اليمن ولا يملك حق الانتماء إلى البلد الذي كوّن ذاكرته.

في «رحلة الثلج والسراب» نتابع فلسطينيًا يطارد طريق أوروبا عبر المهربين، فيما تكشف «القفص في رأسها» خوفًا موروثًا يسكن طالبة داغستانية، قبل أن تدرك أن بعض السجون تُبنى داخل الإنسان. أما «بائعة الماء» فتقدم امرأة فقدت ساقها، لكنها تواصل العمل لتمنح أبناءها حياة أفضل.

وتدخل «زواج شيخ» منطقة اجتماعية شديدة الحساسية، حيث تتحول فتاة كانت ضحية زواج مؤقت إلى وسيطة في الصفقات نفسها. وفي «في شباك تهاني» نلتقي امرأة جعلت من مطار إسطنبول ساحة للاحتيال على المسافرين. في القصتين لا يصدر الكاتب أحكامًا جاهزة، بل يحاول فهم الطريق الذي أوصل شخصياته إلى هذه الخيارات.

وتحضر الوحدة بقوة في «الرفيق الأخير بابلو»، و«الحارس الليلي»، و«عندما توقف صباح فخري عن الغناء». امرأة مسنة تفقد آخر رفاقها، وحارس يموت وحيدًا، وحلاق سوري يحاول الاحتفاظ بحلب داخل صالون صغير في إيكيتلي. هذه القصص، في تقديري، من أكثر نصوص المجموعة نضجًا وهدوءًا.

وفي «عروس تحت الركام» لا ينتهي الزلزال بخروج البطلة من تحت الأنقاض، لأنها تظل عالقة نفسيًا في لحظة فقد زوجها. بينما تستخدم «مشروع الفريند زون» سخرية خفيفة لمقاربة تعقيدات الزواج والعلاقات في حياة المهاجرين.

وتأتي «مكالمة فائته» خاتمة مؤثرة للكتاب. يحتضر خالد في مستشفى بإسطنبول، ويصل اتصال ابنه بعد أن يكون قد غادر «نطاق التغطية». هنا يصبح عنوان المجموعة تعبيرًا عن كل ما تأخر في حياة أبطالها: اللقاء والاعتراف والنجاة والعودة.

ما يميز الكتاب هو تنوع بيئاته ووضوح لغته وقدرته على العثور على الحكاية في التفاصيل الصغيرة. وقد تبدو بعض النهايات أكثر شرحًا مما تحتاج إليه، لكن ذلك لا يقلل من صدق النصوص وقربها من القارئ.

تخرج من المجموعة بانطباع واضح: عبدالله عزالدين أبوبكر لا يكتب عن إسطنبول بقدر ما يكتب عن الذين مروا بها وتركوا شيئًا من أرواحهم في أحيائها. لقد منح أشخاصًا نعبر بجوارهم كل يوم مساحة ليروي كل منهم حكايته، وهذه قيمة تستحق أن يُقرأ الكتاب من أجلها.

آخر الأخبار