بين اتهامات بالفساد ومحاولات التشويش.. مجلس سيدي البرنوصي فوق صفيح ساخن
تعيش مقاطعة سيدي البرنوصي بالدار البيضاء على وقع واحدة من أكثر القضايا المحلية إثارة للجدل خلال الأشهر الأخيرة، بعد أن فجّر النائب الأول لرئيس مجلس المقاطعة، عصام كمري، ملفًا ثقيلًا من الاتهامات التي طالت تدبير الشأن العام، ووجّه أصابع الاتهام مباشرة إلى رئيس المجلس، سعيد صابري، بارتكاب خروقات قانونية واختلالات مالية وإدارية تمس مصالح حيوية للمقاطعة.
وانفجرت القضية رسميًا بعدما وجّه كمري مراسلة عاجلة إلى رئيس الحكومة، يطالب فيها بإيفاد لجنة تفتيش مختصة، مزوّدًا مراسلته بمعطيات وصفها بـ"الدقيقة والخطيرة"، وموجّهًا نسخًا منها إلى مؤسسات رقابية عليا، بينها وزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
و تضمنت المراسلة اتهامات مباشرة بسوء تدبير قطاعات متعددة، أبرزها الشؤون التقنية، وتدبير الصفقات العمومية، والتعمير، والشؤون الاقتصادية، وإدارة المساحات الخضراء، وتنظيم الأنشطة والحفلات، وتسيير المرآب الجماعي، إلى جانب الوضع الموصوف بـ"المتدهور" في المنطقة الصناعية التابعة للمقاطعة.
وحسب مضمون الوثائق الموجهة إلى السلطات، فإن هذه الاختلالات ليست معزولة أو آنية، بل تمتد إلى مجالات مختلفة وتؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات العمومية المقدمة للسكان، كما تلقي بظلالها على مناخ الاستثمار المحلي، في ظل شكاوى متزايدة من فاعلين اقتصاديين يرون أن استمرار الوضع الحالي يشكل تهديدًا لمشاريعهم وأنشطتهم.
ومن بين أبرز النقاط المثارة في المراسلة، كشف كمري عن وجود ممرات تحت أرضية تابعة لقطاع السكك الحديدية تم إنجازها، وفق وصفه، بطرق "غير مطابقة للمعايير"، مما يجعلها مصدر خطر على المارة وعلى البنايات السكنية القريبة، في ظل غياب أي تدخل استعجالي لمعالجة هذه المخاطر.
كما أشار إلى وجود تجاوزات في مساطر إعداد وتنفيذ الصفقات العمومية، ما يضرب مبدأ الشفافية والمنافسة النزيهة، ويكرّس حالة من انعدام الثقة بين المواطنين والمؤسسة المنتخبة.
وسبق لرئيس مجلس مقاطعة سيدي البرنوصي، سعيد صابري، أن رد على الخرجات والاتهامات التي طرحها مرارا عصام كمري، واصفًا إياها بـ"المغلوطة وغير الدقيقة".
معتبرًا أنها محاولات لتضليل الرأي العام والتشويش على الدينامية التنموية التي تعرفها المنطقة.
وأشار إلى أن المقاطعة شهدت خلال السنوات الأخيرة مشاريع لتحسين البنية التحتية وتوسيع الخدمات، مؤكّدًا أن تقييم العمل يجب أن يستند إلى معطيات موضوعية بعيدًا عن التجاذبات الشخصية والسياسية.
الخلاف بين عصام الكمري والجهات المسؤولة على تدبير المقاطعة لم يقتصر على الجانب الإداري، بل أخذ بعدًا سياسيًا منذ بداية السنة الجارية، حين قررت اللجنة الجهوية للتأديب والتحكيم بحزب التجمع الوطني للأحرار بجهة الدار البيضاء–سطات، طرد عصام كمري بشكل نهائي من الحزب، بدعوى "الإخلال بالالتزامات الحزبية" و"القيام بخطوات انفرادية دون التنسيق مع الهياكل التنظيمية".
وقد اعتبر كمري أن القرار مرتبط بمواقفه المنتقدة لتدبير الشأن المحلي وطرحه ملفات حساسة أمام الرأي العام.
وتصاعدت حدة التوتر بعد أن وجّه كمري اتهامات بوجود تلاعبات في مشاريع البنية التحتية، مستشهدًا بظهور تشققات في بعض الشوارع الرئيسية، من بينها شارع المثنى بن حارثة، وداعيًا السلطات إلى التدخل العاجل لفتح تحقيق شامل. بينما رأت قيادة الحزب أن هذه التصريحات تمثل خروجًا واضحًا عن الانضباط الحزبي، ما سرّع بإصدار قرار الطرد.
القضية التي تتفاعل أطوارها داخل مقاطعة سيدي البرنوصي تعكس جانبًا من الإشكالات التي قد تواجهها المجالس المحلية في المغرب، حين تتقاطع الخلافات الإدارية مع الصراعات السياسية، وهو ما قد ينعكس على استقرار التحالفات الحزبية وقدرة المؤسسات المنتخبة على الاستجابة الفعالة لانتظارات المواطنين.
وفي انتظار ما ستسفر عنه تحركات الجهات الرقابية، يبقى الوضع مفتوحًا على جميع الاحتمالات، وسط متابعة دقيقة من الرأي العام المحلي.