مقترح ولايتين فقط للنواب.. هل تطوي الأحزاب صفحة "محترفي الانتخابات"؟
يشهد النقاش السياسي والانتخابي في المغرب جدلا متصاعدا حول مقترح تحديد عدد الولايات البرلمانية في مجلس النواب في اثنتين كحد أقصى، في خطوة يعتبرها كثيرون مسعى لقطع الطريق أمام ما يُعرف بـ"محترفي الانتخابات" الذين ظلوا يتشبثون بمقاعدهم لسنوات طويلة.
ويأتي هذا النقاش في سياق التحضيرات الجارية لتعديل القوانين المؤطرة للانتخابات المقبلة، المقررة سنة 2026، والتي يتوقع أن تُحدث تغييرات جوهرية على مستوى الترشيحات والتمثيلية داخل المؤسسة التشريعية.
المقترح الذي تقدم به حزب الشورى والاستقلال يهدف، وفق مذكرته المرفوعة إلى وزارة الداخلية، إلى تعزيز حركية المشهد السياسي وضخ دماء جديدة في البرلمان، عبر منح فرصة أوسع للشباب والكفاءات الحديثة داخل الأحزاب السياسية.
ويرى الحزب أن التجارب السابقة أظهرت أن استمرار بعض الوجوه في احتكار المقاعد لولايات متتالية أضعف مردودية العمل التشريعي، وقلص من فرص تجديد الخطاب السياسي وأساليب الممارسة البرلمانية.
وتقترح المذكرة أيضا إلغاء الضمان المالي المفروض على لوائح الترشيح، والمحدد في 5000 درهم، معتبرة أن هذا الشرط لم يعد مبررا في ظل التغيرات التي عرفها المشهد الحزبي، حيث باتت أغلب الترشيحات مرتبطة بأحزاب منظمة، عكس ما كان عليه الوضع في مراحل سابقة.
كما دعت إلى تسهيل المساطر المرتبطة بالمصادقة على الترشيحات الحزبية، عبر الاكتفاء بموافقة الأمناء العامين أو من يفوضونهم، مع إلزامية تضمين بصمات المرشحين لضمان الجدية والمصداقية.
وشدد الحزب، في مذكرته، على ضرورة تعزيز مشاركة النساء والشباب في مختلف الاستحقاقات، من خلال توسيع نطاق التمييز الإيجابي ليشمل الجماعات الترابية والجهات، وليس فقط البرلمان.
واقترح إدخال تعديلات على القوانين التنظيمية للأحزاب لإلزامها بمنح النساء والشباب نسبا محددة في الأجهزة القيادية، مع تخصيص اعتمادات مالية لتكوينهم السياسي وتمكينهم من الولوج إلى مواقع القرار.
ولتعزيز هذه الدينامية، دعت المذكرة إلى إحداث صندوق خاص لدعم ترشيحات النساء والشباب في الانتخابات المحلية والتشريعية، وإطلاق برامج لتأهيل الكفاءات السياسية الشابة والنسائية، بتمويل من وزارة الداخلية، تُمكّن من إعداد جيل جديد قادر على تحمل مسؤوليات التدبير العمومي محليا وجهويا ووطنيا.
كما اقترحت تشجيع الأحزاب على تنظيم جامعات سياسية موسمية لخلق فضاءات للنقاش وتبادل التجارب على المستوى الوطني والدولي.
وفي ما يخص النظام الانتخابي، أوصى حزب الشورى والاستقلال باعتماد نمط الاقتراع الفردي على صعيد الدوائر المحلية لانتخاب أعضاء مجلس النواب، باعتباره آلية لترسيخ العلاقة المباشرة بين الناخب ونائبه البرلماني، وضمان تمثيلية أكثر عدلا للمجالات الجغرافية.
ويرى الحزب أن هذا النظام يُبسّط عملية التصويت والفرز، ويتيح للناخبين اختيار مرشحيهم على أساس الكفاءة والخبرة والنزاهة، مع ضرورة مراجعة التقسيم الانتخابي بما يحقق التوازن الديمغرافي والمجالي.
كما اقترحت المذكرة إقرار مبدأ تنافي صفة النائب البرلماني مع رئاسة المجالس الجماعية أو الغرف المهنية، من أجل تكريس مبادئ الحكامة الجيدة وتفادي تضارب المصالح.
واعتبر الحزب أن الجمع بين المسؤوليات التنفيذية والتشريعية غالبا ما يؤدي إلى ضعف الحضور داخل البرلمان وتعثر أداء المهام المحلية، فضلا عن تكريس هيمنة نفس النخب وتعطيل مبدأ التداول السياسي.
وبينما يلقى هذا المقترح دعما من فئات واسعة من المتابعين للشأن السياسي، لا يُخفي بعض المراقبين تحفظاتهم بشأن قدرة الأحزاب على استثمار هذه التغييرات في تجديد نخبها فعليا، معتبرين أن الأمر لا يرتبط فقط بحد عدد الولايات، بل أيضا بمدى استعداد القيادات الحزبية لمنح الفرصة لوجوه جديدة وإرساء قواعد ديمقراطية داخلية حقيقية.
وفي جميع الحالات، يبدو أن نقاش تحديد عدد الولايات البرلمانية مرشح لأن يشكل أحد أبرز محاور المراجعات القانونية المقبلة، وسط انتظار لما ستفرزه مشاورات وزارة الداخلية مع الأحزاب السياسية في الفترة القادمة.