قبل الحسم الانتخابي.. البرلمان أمام تحدي تمرير قوانين ثقيلة
تتجه الأنظار إلى المؤسسة التشريعية بالمغرب مع اقتراب استئناف أشغال البرلمان، خلال منتصف شهر أبريل المقبل في سياق سياسي دقيق يتسم بتسارع الإيقاع واقتراب محطة انتخابية حاسمة، حيث لم يعد يفصل البلاد عن الانتخابات التشريعية سوى بضعة أشهر، ما يضع مختلف الفاعلين أمام ضغط الزمن وضرورة تحقيق توازن دقيق بين استكمال الأوراش القانونية الكبرى وتقديم حصيلة سياسية مقنعة للرأي العام.
وتدخل الحكومة التي يقودها عزيز أخنوش مرحلة توصف في الأوساط السياسية بمرحلة الحسم، إذ تجد نفسها مطالبة بتسريع وتيرة تنزيل التزاماتها التشريعية، وتمرير حزمة من القوانين التي طال انتظارها، في ظرف زمني محدود لا تتجاوز 5 أشهر كأقصى تقدير، وهي مهلة تعتبر قصيرة بالنظر إلى طبيعة النصوص المعروضة، التي تتسم بحساسيتها وتعقيدها وتأثيرها المباشر على مختلف مناحي الحياة العامة.
ويفرض هذا السياق على العمل داخل البرلمان المغربي إيقاعاً غير مسبوق، حيث تتداخل الأدوار التشريعية مع المهام الرقابية في لحظة سياسية دقيقة، تتحول فيها الدورة الأخيرة من الولاية التشريعية إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة المؤسسة البرلمانية على تحقيق التوازن بين سن القوانين ومساءلة العمل الحكومي، في ظل تصاعد الانتظارات الشعبية بخصوص جودة التشريعات ونجاعتها.
وتتصدر قائمة النصوص القانونية المرتقبة مراجعة مدونة الأسرة، التي تعد من أبرز الملفات الاجتماعية ذات الحساسية الخاصة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر ببنية الأسرة المغربية وتحولاتها.
ويُرتقب أن تثير هذه المراجعة نقاشاً مجتمعياً واسعاً داخل البرلمان وخارجه، في ظل تباين المقاربات بين من يدعو إلى توسيع دائرة الحقوق والحريات الفردية، ومن يتمسك بمرجعيات تقليدية تراعي الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع.
وتشمل مقترحات تعديل مدونة الأسرة عددا من المحاور الأساسية، من بينها مراجعة سن الزواج بشكل أكثر صرامة للحد من زواج القاصرات، وإعادة النظر في شروط التعدد بما يضمن حماية أكبر للحقوق الأسرية، إلى جانب تعزيز ضمانات المساواة في المسؤوليات داخل الأسرة، وتبسيط مساطر الطلاق بما يحفظ كرامة الطرفين ويحد من النزاعات القضائية الطويلة.
كما تطرح إمكانية تطوير آليات الوساطة الأسرية، وإدماج مقاربات حديثة تراعي التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها البلاد، مع الحفاظ على التوازن بين الثوابت الدستورية والالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان.
ولا تقتصر رهانات المرحلة على مدونة الأسرة، بل تمتد إلى مشاريع قوانين أخرى لا تقل أهمية، من قبيل مراجعة المنظومة الجنائية، وتأطير مهن العدالة خاصة المحاماة والخبراء القضائيين، وتحديث الترسانة القانونية المرتبطة بالتعمير وتنظيم المهن القانونية مثل العدول، بالإضافة إلى تاطير عمل المجلس الوطني للصحافة وهي نصوص ظلت موضوع نقاش طويل خلال الولاية الحالية، قبل أن تجد طريقها إلى البرلمان في توقيت يثير الكثير من التساؤلات حول خلفيات التسريع في معالجتها.
وفي هذا الإطار، يتوقع أن تشهد قبة البرلمان نقاشات حادة بين مكونات الأغلبية والمعارضة، خاصة في ظل الانتقادات التي وجهتها الأخيرة للحكومة بخصوص ما تعتبره “تمريراً سريعاً” لعدد من القوانين دون إشراك كافٍ لمختلف الفاعلين، أو فتح نقاش عمومي واسع يتيح معالجة الاختلالات المطروحة.
واعتبر نواب المعارضة البرلمانية في الفترة الأخيرة أن توقيت طرح هذه النصوص في نهاية الولاية يعكس غياب رؤية تشريعية متكاملة، ويطرح إشكالات مرتبطة بجودة القوانين ومدى قابليتها للتنزيل.
في المقابل، تؤكد الأغلبية أن الحصيلة التشريعية للحكومة تعكس دينامية واضحة، مستدلة بعدد النصوص التي تمت المصادقة عليها خلال الدورات السابقة، والتي شملت مجالات اقتصادية واجتماعية وقضائية، وتهدف إلى تعزيز مناخ الاستثمار وتحديث الإدارة وترسيخ استقلالية السلطة القضائية.
كما ترى أن تسريع وتيرة التشريع في المرحلة الحالية يندرج في إطار استكمال الأوراش المفتوحة، وليس استجابة لاعتبارات انتخابية ضيقة.
وسبق أن أكد رشيد الطالبي العلمي رئيس مجلس النواب أن المجلس صادق خلال الدورة الماضية على 27 مشروع قانون، منها نصوص تتعلق بالانتخابات، خاصة انتخاب أعضاء مجلس النواب لسنة 2026، إلى جانب قوانين اقتصادية ومالية تؤطر الاستثمار والادخار، وتعزز تطور منظومة العدالة واستقلالية القضاء.
وبين هذا وذاك، يظل الرهان الأساسي مرتبطاً بقدرة المؤسسة التشريعية على إنتاج نصوص قانونية متوازنة، تستجيب لمتطلبات المرحلة وتراعي انتظارات المواطنين، في ظل سياق سياسي يتسم بحدة التنافس واقتراب موعد الحسم الانتخابي.