هل فقدت برامج الدعم الحكومية فعاليتها أمام تسارع إفلاس المقاولات؟

الكاتب : انس شريد

30 مارس 2026 - 10:00
الخط :

يتصاعد الجدل داخل الأوساط الاقتصادية والتشريعية بالمغرب بشأن مستقبل المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، في ظل مؤشرات مقلقة تعكس هشاشة هذه الفئة التي تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني، لكنها تجد نفسها في مواجهة تحديات بنيوية متراكمة تهدد استمراريتها وتضع فعالية السياسات العمومية الداعمة لها تحت مجهر المساءلة.

وتكتسي هذه الفئة من المقاولات أهمية استراتيجية بالنظر إلى دورها المحوري في خلق فرص الشغل وتعزيز الدينامية الاقتصادية عبر مختلف جهات المملكة، إذ تمثل ما يقارب 97 في المائة من مجموع النسيج المقاولاتي.

غير أن هذه الأهمية لا تعكس بالضرورة قدرتها على الصمود، في سياق اقتصادي يتسم بتقلبات دولية متسارعة وضغوط داخلية متزايدة، تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبات الولوج إلى التمويل وضعف الاندماج في سلاسل القيمة.

في هذا السياق، كشفت معطيات صادرة عن الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة عن اختفاء نحو 150 ألف مقاولة خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2022 و2025، في رقم وصفه متتبعون بـ”الصادم”، يعكس تسارعًا مقلقًا في وتيرة الإفلاسات التي انتقلت من حوالي 25 ألف حالة سنة 2022 إلى ما يقارب 52 ألف حالة سنة 2025، بما يعادل إفلاس مقاولة واحدة كل عشر دقائق تقريبًا.

وتشير هذه الأرقام إلى تحول عميق في طبيعة الأزمة، حيث لم يعد الإشكال مرتبطًا بخلق المقاولات، بل بقدرتها على الاستمرار في بيئة اقتصادية صعبة.

وتؤكد المعطيات ذاتها أن حوالي 70 في المائة من المقاولات الصغيرة جدًا لا تتجاوز مدة بقائها ثلاث إلى خمس سنوات، ما يكشف عن هشاشة دورة حياتها منذ التأسيس، ويطرح تساؤلات جدية حول نجاعة منظومة المواكبة والدعم، ومدى ملاءمتها لخصوصيات هذه الفئة التي تشكل القاعدة الأوسع للاقتصاد الوطني.

وفي قلب هذه الإشكالات، يبرز عامل التمويل كأحد أبرز مكامن الخلل، إذ لا تستفيد سوى أقل من 5 في المائة من هذه المقاولات من القروض البنكية، رغم وزنها الكبير داخل النسيج الاقتصادي، وهو ما يعكس وجود إقصاء بنيوي يحد من اندماجها في الدورة المالية الرسمية، ويقوض قدرتها على الاستثمار والتوسع.

ويوازي هذا الإقصاء المالي ضعف في استثمار الإمكانات الرقمية، حيث تشير الأرقام إلى أن 97 في المائة من هذه المقاولات متصلة بالإنترنت، مقابل 80 في المائة منها دون حضور رقمي فعلي، ما يعكس فجوة واضحة بين الولوج إلى التكنولوجيا واستعمالها كرافعة إنتاجية.

وعلى مستوى السوق، لا تبدو الصورة أقل تعقيدًا، إذ لا تتجاوز نسبة المقاولات الصغيرة جدًا المرتبطة بعلاقات تجارية مع مقاولات كبرى 15 في المائة، ما يضع الغالبية في هامش الاقتصاد دون اندماج فعلي في سلاسل القيمة.

كما تعاني أكثر من نصف هذه المقاولات من تأخيرات في الأداء تتجاوز 90 يومًا، وهو ما يفاقم اختناقات السيولة ويهدد توازنها المالي في ظل غياب آليات ناجعة للضبط.

وتتجلى إحدى أبرز المفارقات في محدودية استفادة هذه المقاولات من الصفقات العمومية، إذ لا تتجاوز حصتها الفعلية 10 في المائة، رغم أن النسبة المخصصة لها نظريًا تبلغ 20 في المائة، ما يمثل خسارة سنوية تقدر بنحو 30 مليار درهم.

هذا الواقع أعاد ملف دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى واجهة النقاش البرلماني، حيث توالت الأسئلة الكتابية الموجهة إلى أعضاء الحكومة بشأن فعالية البرامج العمومية ومدى احترامها لمبادئ الشفافية والعدالة المجالية.

وفي هذا الإطار، وجه النائب البرلماني الحسين بن الطيب، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، سؤالًا كتابيًا إلى وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، بشأن تأخر معالجة وصرف ملفات الدعم المقدمة في إطار برامج تشرف عليها مؤسسة “Maroc PME”.

وأشار النائب إلى أن عددًا من المقاولات استوفى جميع الشروط القانونية والتقنية المطلوبة، غير أنه يواجه تأخرًا ملحوظًا في صرف المستحقات، دون توضيحات كافية حول أسباب هذا التأخير أو آجاله، وهو ما ينعكس سلبًا على توازنها المالي وقدرتها على تنفيذ استثماراتها، بل ويهدد استقرار مناصب الشغل المرتبطة بها.

وفي السياق ذاته، أثارت النائبة البرلمانية سلوى البردعي، عن حزب العدالة والتنمية، موضوع العدالة المجالية في توزيع الدعم، من خلال سؤال كتابي حول حصيلة برنامج دعم البحث والتطوير والابتكار الذي أُطلق سنة 2022 بغلاف مالي يناهز 300 مليون درهم للفترة ما بين 2023 و2025، والذي يستهدف دعم نحو 100 مشروع سنويًا.

وطالبت النائبة بتوضيح عدد المشاريع المستفيدة وتوزيعها الجغرافي، ومدى استفادة المقاولات الصغيرة مقارنة بالكبيرة، إضافة إلى معايير الانتقاء المعتمدة.

من جانبه، سلط النائب نبيل الدخش، عن حزب الحركة الشعبية، الضوء على ورش رقمنة المقاولات، من خلال مساءلة الوزارة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي حول حصيلة البرنامج النموذجي الذي تم إطلاقه بشراكة مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، داعيًا إلى الكشف عن عدد المقاولات المستفيدة ونوعية الحلول الرقمية المعتمدة، وآفاق تعميم البرنامج على باقي جهات المملكة خلال سنة 2026.

ولم يقتصر النقاش البرلماني على هذه الجوانب، بل امتد إلى مسألة الضغط الجبائي وصعوبات الامتثال الضريبي، حيث وجه النائب نفسه سؤالًا إلى وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، بشأن الإجراءات المرتقبة لتحفيز المقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين، في ظل معطيات تشير إلى إفلاس عشرات الآلاف من المقاولات خلال سنة 2025، وانسحاب عدد من المقاولين الذاتيين من السوق.

ويعكس هذا التراكم في الأسئلة البرلمانية حجم القلق المتزايد بشأن وضعية هذه الفئة، التي تمثل ركيزة أساسية في الدورة الاقتصادية ومصدرًا رئيسيًا لخلق فرص الشغل، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج واضطرابات سلاسل الإمداد وتراجع الطلب.

في المقابل، سبق أن حذرت الشبكة المغربية لهيئات المقاولات الصغرى من تفاقم ما وصفته بـ”هيمنة الفراقشية الجدد” على عدد من القطاعات والصفقات العمومية، معتبرة أن هذا الوضع يساهم في إقصاء المقاولات الصغرى والمتوسطة ويضعها في وضع هش يشبه “الموت البطيء”، مع ما لذلك من انعكاسات سلبية على تنافسية الاقتصاد الوطني.

كما انتقدت الشبكة ما اعتبرته ضعفًا في التواصل مع الفاعلين الاقتصاديين واعتماد بعض القطاعات الحكومية سياسة الأبواب المغلقة، رغم تعدد المذكرات والمقترحات التي تم تقديمها، دون أن تجد، بحسبها، التفاعل المطلوب.

ونبهت إلى تفاقم إشكالات التأخير في الأداء وارتفاع نسب الإفلاس والمتابعات المرتبطة بالضمان الاجتماعي، معتبرة أن هذه العوامل تشكل تهديدًا حقيقيًا لاستقرار النسيج المقاولاتي.

وفي سياق الجهود الرامية إلى معالجة هذه الاختلالات، أعلن والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، مؤخرا عن الانتهاء من إعداد نظام للتنقيط مخصص للمقاولات الصغيرة جدًا، يهدف إلى تسريع معالجة طلبات التمويل وتحسين ولوجها إلى القروض، في إطار تنزيل الميثاق المتعلق بتمويل ومواكبة هذه المقاولات، الموقع في دجنبر الماضي.

وأوضح أن هذا النظام تم تطويره بشراكة مع مكاتب الائتمان، وتم عرضه على البنوك لاعتماده في دراسة ملفات التمويل.

كما أشار إلى برمجة اجتماع مرتقب يركز على آليات المواكبة، تحت إشراف الوكالة الوطنية للنهوض بالمقاولة الصغرى والمتوسطة، في خطوة تروم تعزيز التكامل بين التمويل والمواكبة التقنية.

وفي انتظار تفاعل الحكومة التي تدخل ولايتها الأخيرة مع هذه التحديات المتعددة، يبقى مستقبل المقاولات الصغيرة والمتوسطة رهينًا بمدى قدرة السياسات العمومية على الانتقال من منطق الدعم الظرفي إلى بناء منظومة متكاملة تضمن الاستمرارية، وتعزز الثقة، وتحقق العدالة المجالية، بما يمكن هذه الفئة من الاضطلاع بدورها الكامل كقاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

آخر الأخبار