رحو يرد على جدل غرامات المحروقات.. هل كانت العقوبات رادعة؟
في وقت لا تزال فيه أسعار المحروقات بالمغرب تواصل استقطاب اهتمام الرأي العام، عاد ملف المنافسة داخل هذا القطاع إلى واجهة النقاش من جديد، بعدما جدد رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، دفاعه عن التسوية التصالحية التي أبرمها المجلس مع عدد من شركات توزيع المحروقات، معتبرا أن العقوبة المالية التي بلغت قيمتها 1.84 مليار درهم تندرج ضمن أكبر الغرامات التي فرضتها هيئات المنافسة على هذا النوع من القضايا، مؤكدا أن الهدف منها يتمثل في ضمان احترام قواعد المنافسة دون الإضرار باستقرار السوق الوطنية.
ويأتي هذا الجدل في سياق يتسم باستمرار ارتفاع أسعار الوقود بالمملكة، رغم تراجع أسعار النفط في الأسواق الدولية خلال الأشهر الماضية، وهو ما أعاد إلى الواجهة مطالب سياسية ونقابية تدعو إلى مراجعة السياسة المعتمدة في تدبير قطاع المحروقات، وإعادة تقييم آثار تحرير الأسعار على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى كلفة المعيشة، خاصة في ظل استمرار تأثير أسعار الطاقة على مختلف القطاعات الاقتصادية.
وخلال ندوة صحفية عقدها الخميس، شدد أحمد رحو على أن القرار الذي اتخذه مجلس المنافسة لم يكن نابعا من أي اعتبارات سياسية أو ظرفية، وإنما استند إلى مقتضيات قانونية ومعطيات اقتصادية وتقنية مرتبطة بملف وصفه بأنه من أكثر الملفات حساسية في تاريخ المجلس، بالنظر إلى ما أثاره من نقاش واسع داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وأوضح رئيس مجلس المنافسة أن مبلغ 1.84 مليار درهم يمثل ما بين 60 و70 في المائة من صافي الأرباح السنوية المجمعة للشركات المعنية، والتي تقدر بنحو 3 مليارات درهم، معتبرا أن هذه النسبة تعكس صرامة العقوبة، وتؤكد أن المجلس لم يتهاون في تطبيق القانون، بل حرص على فرض جزاء مالي يتناسب مع طبيعة المخالفات المسجلة.
وفي معرض حديثه عن الجدل المرتبط بارتفاع أسعار المحروقات، أكد رحو أن جزءا كبيرا من حالة الاستياء التي يعبر عنها المواطنون تعود، بحسب تحليله، إلى الآثار التي خلفها قرار رفع الدعم عن المحروقات في السنوات الماضية، أكثر مما ترتبط بهوامش أرباح شركات التوزيع وحدها، موضحا أن تطور الأسعار يخضع لعوامل متعددة، من بينها أسعار النفط الخام، وكلفة النقل والشحن، وسعر صرف العملات، إضافة إلى الضرائب المفروضة على المواد البترولية.
كما قدم توضيحات بشأن هوامش الربح التي تحققها شركات توزيع المحروقات، مشيرا إلى أنها لا تصل، وفق المعطيات التي يتوفر عليها المجلس، إلى المستويات التي يعتقدها جزء من الرأي العام، موضحا أن هامش الربح الصافي يناهز في المتوسط حوالي 4 في المائة من رقم معاملات المحروقات، وهو ما اعتبره مؤشرا يستوجب التمييز بين رقم المعاملات وحجم الأرباح الفعلية المحققة.
وأكد رحو أن مجلس المنافسة يوازن، عند تحديد قيمة العقوبات، بين ضرورة ردع الممارسات المنافية لقواعد المنافسة والحفاظ في الوقت نفسه على استمرارية النشاط الاقتصادي، مبرزا أن استنزاف السيولة المالية للشركات بشكل كامل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمس توازن السوق، خاصة إذا أصبحت بعض الشركات غير قادرة على تمويل عمليات استيراد الوقود وضمان تزويد السوق الوطنية بالمحروقات.
وأشار إلى أن عددا من الشركات المعنية بالعقوبات تقدمت بطلبات للاستفادة من تسهيلات في أداء الغرامات، بسبب ما وصفته بصعوبات مرتبطة بالسيولة، موضحا أن المجلس تعامل مع هذه الطلبات وفق مقاربة مؤسساتية تستند إلى مقتضيات القانون، دون أن يعني ذلك التخفيف من طبيعة العقوبة أو المساس بمبدأ المحاسبة.
واعتبر رئيس مجلس المنافسة أن العقوبات الاقتصادية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة تؤدي إلى إفلاس المقاولات، موضحا أن انهيار شركة لا ينعكس فقط على المساهمين أو المسيرين، وإنما يمتد تأثيره إلى المستخدمين والشركاء الاقتصاديين وسلاسل التموين، فضلا عن انعكاساته المحتملة على السوق وعلى مداخيل الدولة الجبائية.
وفي هذا السياق، استحضر رحو تجارب هيئات المنافسة في عدد من الدول، مشيرا إلى أن سلطات المنافسة الدولية تفرض بدورها غرامات مالية كبيرة على شركات عالمية، لكنها تراعي في الوقت ذاته الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي وعدم إحداث اضطرابات قد تضر بالمنافسة أو بالمستهلكين على المدى الطويل.
ويأتي هذا الملف بعد التسوية التي أبرمها مجلس المنافسة مع تسع شركات تنشط في قطاع توزيع المحروقات، والتي التزمت بأداء مبلغ إجمالي قدره 1.84 مليار درهم لفائدة خزينة الدولة، في إطار تسوية تصالحية أنهت أحد أبرز الملفات التي شغلت الرأي العام خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعدما أثار تقرير برلماني سابق جدلا واسعا بتطرقه إلى تحقيق الشركات المعنية أرباحا قُدرت بحوالي 17 مليار درهم خلال سنتي 2016 و2017.
ورغم التوضيحات التي قدمها مجلس المنافسة، لا يزال ملف المحروقات يحافظ على حضوره القوي في النقاش العمومي، في ظل استمرار المطالب بإيجاد توازن بين ضمان حرية المنافسة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، إلى جانب الدعوات الرامية إلى تعزيز آليات الشفافية والرقابة داخل القطاع بما يرسخ الثقة في السوق ويضمن تنافسية عادلة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.