موجة استقالات تربك الأحزاب قبل الانتخابات.. سباق التزكيات يفتح أبواب الاحتقان السياسي
دخلت الساحة السياسية المغربية مرحلة تتسم بارتفاع منسوب الحراك التنظيمي داخل عدد من الأحزاب، بالتزامن مع العد العكسي للاستحقاقات التشريعية المرتقبة، حيث تحولت مساطر إعداد اللوائح الانتخابية وحسم التزكيات إلى مصدر توتر داخلي في أكثر من تنظيم سياسي، سواء داخل مكونات الأغلبية أو أحزاب المعارضة، وسط تصاعد الاستقالات واتساع رقعة الخلافات التنظيمية في عدد من الجهات والأقاليم.
وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي دقيق تزداد فيه رهانات الانتخابات المقبلة، التي ينتظر أن تعيد رسم الخريطة الحزبية وتحدد موازين القوى داخل مجلس النواب، وهو ما دفع مختلف الأحزاب إلى تسريع مشاوراتها الداخلية واستكمال ترتيباتها التنظيمية، بالتوازي مع احتدام المنافسة على التزكيات البرلمانية واستقطاب الأسماء ذات الحضور الانتخابي والنفوذ المحلي.
ويرى متابعون للشأن الحزبي أن اقتراب موعد الاقتراع عادة ما يرفع منسوب التنافس داخل التنظيمات السياسية، غير أن وتيرة الاستقالات التي سجلت خلال الفترة الأخيرة تعكس حجم الضغوط التي تعيشها بعض الأحزاب، في ظل صعوبة التوفيق بين الطموحات الفردية ومتطلبات التدبير التنظيمي، خاصة مع اقتراب الحسم في لوائح المرشحين.
وفي هذا السياق، أعلن حسن السعدوني، المنسق المحلي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة آسفي، استقالته من الحزب ومن جميع مهامه التنظيمية، موجها مراسلة إلى المنسق الجهوي للحزب بجهة مراكش-آسفي، أوضح فيها أن قراره جاء بعد فترة من التفكير، مبرزا أن دوافع الاستقالة ترتبط، بحسب ما أورده، بضعف التواصل مع مناضلي الحزب وساكنة المدينة، إلى جانب محدودية التفاعل مع عدد من القضايا المحلية والأنشطة التنموية والثقافية التي تهم مدينة آسفي.
وجاءت هذه الاستقالة بعد أيام من إعلان النائب البرلماني خالد العجلي مغادرته فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، في خطوة اعتبرت آنذاك من أبرز التحركات السياسية التي شهدها الحزب خلال المرحلة الحالية، قبل أن يلتحق بها تطور جديد تمثل في استقالة حسن السعدوني من مسؤولياته التنظيمية.
وفي تطور آخر، قرر النائب البرلماني خالد الحاتمي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، تقديم استقالته من عضوية مجلس النواب، في خطوة أعادت النقاش حول التحولات التي تعرفها بعض التنظيمات السياسية قبل أشهر من موعد الانتخابات، وسط ترقب لمآلات هذه التحركات وانعكاساتها على التوازنات الحزبية.
ولم تكن أحزاب المعارضة بعيدة عن هذه الدينامية، إذ وجد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نفسه أمام أزمة تنظيمية جديدة بمدينة مراكش، بعدما أثار ملف التزكيات الخاصة بالانتخابات التشريعية حالة من الاحتقان داخل هياكل الحزب، عقب اختيار الحسن الزلماط لقيادة اللائحة البرلمانية بدائرة المدينة-تسلطانت.
وبحسب معطيات الجريدة 24، فإن هذا القرار لم يحظ بإجماع مختلف الفاعلين التنظيميين، حيث عبر عدد من المناضلين عن تحفظهم على طريقة تدبير التزكيات.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن قيادة الحزب تواصل مشاوراتها لاحتواء تداعيات هذه الأزمة، تفاديا لاتساع دائرة الخلافات خلال مرحلة تعتبر من أكثر الفترات حساسية في الإعداد للاستحقاقات المقبلة، خاصة في ظل الحرص على الحفاظ على وحدة التنظيم وضمان جاهزيته لخوض المنافسة الانتخابية.
وامتدت تداعيات الاستقالات إلى جهة سوس-ماسة، بعدما أعلن الحسن بيقندارن، المنسق الجهوي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إنهاء مساره داخل الحزب، من خلال تقديم استقالته من مختلف مسؤولياته التنظيمية وعضويته، في خطوة زادت من حدة النقاش حول الأوضاع التنظيمية داخل الحزب قبل أشهر من الانتخابات.
وفي الجهة المقابلة، يعيش الحزب الاشتراكي الموحد بدوره على وقع سلسلة من الاستقالات الجماعية، بعدما أعلن ستة أعضاء من مكتب فرع الحزب بإنشادن، بإقليم اشتوكة آيت باها، استقالتهم النهائية من الحزب ومن مختلف هياكله، احتجاجا على ما اعتبروه طريقة تدبير الخلافات الداخلية داخل التنظيم.
ولم تكن هذه الخطوة معزولة، إذ سبقها إعلان 56 مناضلا ومناضلة استقالاتهم الجماعية والفردية من الحزب، في تطور اعتبره متابعون مؤشرا على استمرار التوترات التنظيمية داخل الحزب، في وقت يقترب فيه موعد الاستحقاقات التشريعية وما يرافقها من رهانات سياسية وتنظيمية.
ويعكس تزايد الاستقالات داخل عدد من الأحزاب طبيعة المرحلة السياسية التي تسبق الانتخابات، حيث ترتفع حدة المنافسة حول التزكيات والمواقع الانتخابية، وتبرز في المقابل تحديات مرتبطة بالحفاظ على الانسجام الداخلي، خاصة بالنسبة للأحزاب التي تسعى إلى دخول الاستحقاقات المقبلة بأكبر قدر من التماسك التنظيمي.
وتطرح هذه التطورات أسئلة متزايدة حول قدرة الأحزاب السياسية على تدبير خلافاتها الداخلية في إطار المؤسسات الحزبية، وتجاوز تداعيات التنافس حول الترشيحات، بما يضمن الحفاظ على ثقة مناضليها وصورتها أمام الرأي العام.