الجدل يتواصل حول تهيئة الحي المحمدي.. وجماعة البيضاء تتحرك لاحتواء الأزمة
عاد ملف تصاميم التهيئة بمدينة الدار البيضاء إلى واجهة النقاش العمومي من جديد، في سياق يتسم بتجدد الجدل حول سبل تدبير المجال الحضري وضمان التوازن بين متطلبات التنمية وحماية حقوق الساكنة، وذلك مع اقتراب موعد دورة شهر ماي لمجلس جماعة الدار البيضاء، المرتقب عقدها الأسبوع المقبل، والتي يتجه خلالها المجلس إلى إبداء الرأي بشأن مشروع تصميم التهيئة الخاص بمقاطعة الحي المحمدي، أحد أكثر المشاريع التي أثارت نقاشا واسعا خلال الفترة الأخيرة.
ويأتي إدراج هذا المشروع ضمن جدول أعمال المجلس في ظل تصاعد وتيرة التحفظات التي عبر عنها عدد من المنتخبين والفاعلين المحليين، خاصة بعد أن توصل مجلس مقاطعة الحي المحمدي قبل أسابيع بما يقارب 750 طعناً من طرف الساكنة والمتضررين المحتملين من مضامين المشروع، وهو رقم يعكس حجم القلق الذي أثاره لدى فئات واسعة من المواطنين.
كما يسلط الضوء على طبيعة الإشكالات المرتبطة به، سواء من حيث إعادة هيكلة بعض الأحياء أو التأثيرات الاجتماعية المحتملة.
وفي هذا الإطار، كان مجلس مقاطعة الحي المحمدي قد عقد سلسلة من الاجتماعات لمناقشة مختلف جوانب المشروع، خلصت في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرار بالإجماع يقضي برفض مشروع تصميم التهيئة في صيغته الراهنة، مع الدعوة إلى سحبه وإعادة دراسته وفق مقاربة تشاركية تقوم على إشراك فعلي للمجلس المنتخب وممثلي الساكنة ومختلف المتدخلين، بما يسمح بإدماج الملاحظات المثارة وتجويد مضامينه.
ويُنظر إلى هذا القرار على أنه تعبير صريح عن إرادة جماعية لإعادة صياغة المشروع بشكل يضمن تحقيق تنمية حضرية متوازنة، تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، وتفادي أي انعكاسات سلبية قد تمس استقرار الساكنة أو تؤدي إلى تهجيرها، خاصة في ظل حساسية الملفات المرتبطة بإعادة الهيكلة الحضرية داخل المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
وتعززت هذه المخاوف في أوساط الساكنة بعد تداول معطيات تفيد بإمكانية طمس هوية عدد من الأحياء التاريخية وإعادة تهيئتها بشكل جذري، من بينها أحياء درب مولاي الشريف ودرب السعد وبلوك الرياض، وهو ما أثار تخوفات من عمليات هدم أو إعادة إسكان قد لا تراعي الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي نسجتها الساكنة على مدى عقود، فضلاً عن القلق المرتبط بمدى توفير بدائل ملائمة تضمن كرامة المتضررين.
وتراهن الجهات المنتخبة على مستوى مقاطعة الحي المحمدي، أن يندرج مشروع تصميم التهيئة ضمن رؤية شمولية لتأهيل النسيج الحضري للمنطقة، وتحسين البنيات التحتية وتوفير فضاءات عمومية وتجهيزات أساسية تستجيب لمتطلبات النمو الديمغرافي، غير أن هذه الأهداف، رغم أهميتها، تظل رهينة بمدى قدرة الجهات المعنية على تحقيق توافق مع الساكنة وضمان انخراطها في مختلف مراحل المشروع.
ومن المنتظر أن تشكل دورة مجلس جماعة الدار البيضاء المقبلة محطة حاسمة في مسار هذا الملف، حيث سيحدد موقف المجلس من المشروع ملامح المرحلة القادمة، سواء من خلال المصادقة عليه مع إدخال تعديلات، أو تبني خيار إعادته إلى طاولة الدراسة وفق مقاربة أكثر تشاركية، وهو ما من شأنه أن يعيد طرح سؤال الحكامة الحضرية وآليات إشراك المواطنين في اتخاذ القرار المرتبط بمجال عيشهم.