مخاوف إسبانية من إعادة تموضع القواعد الأمريكية لصالح المغرب
عاد مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في إسبانيا إلى صدارة النقاش السياسي والإعلامي في أوروبا، بعدما أعلنت الولايات المتحدة عزمها مراجعة انتشار قواتها العسكرية في القارة خلال الأشهر الستة المقبلة، وهو تطور أعاد فتح باب التكهنات بشأن مصير أبرز القواعد العسكرية الأمريكية بجنوب أوروبا، في وقت برز فيه المغرب داخل عدد من التقارير الإعلامية الإسبانية باعتباره أحد الخيارات المطروحة في حال قررت واشنطن إعادة تموضع جزء من قواتها بما ينسجم مع أولوياتها الاستراتيجية الجديدة.
وجاء هذا التطور عقب التصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث خلال اجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي "الناتو" الذي انعقد الأسبوع الماضي في بروكسيل، بالتزامن مع الإعلان عن اتفاق وقف الحرب بين إيران وإسرائيل، حيث أكد أن الولايات المتحدة ستباشر مراجعة شاملة لانتشار قواتها العسكرية في أوروبا خلال الأشهر الستة المقبلة، في خطوة تندرج ضمن السياسة التي تنتهجها إدارة الرئيس دونالد ترامب لإعادة تقييم الالتزامات العسكرية الأمريكية خارج أراضيها وإعادة توزيع القدرات العسكرية وفق المتغيرات الجيوسياسية.
ووفق ما أوردته تقارير إعلامية إسبانية، من بينها موقع "Europa Sur"، فإن تصريحات وزير الدفاع الأمريكي حملت هذه المرة مؤشرات أكثر وضوحاً بشأن احتمال مراجعة خريطة الانتشار العسكري الأمريكي، معتبرة أن هذا التوجه يرتبط أيضاً بمواقف بعض الدول الأوروبية، وفي مقدمتها إسبانيا، خلال التصعيد العسكري الأخير في الشرق الأوسط، بعدما رفضت مدريد السماح باستخدام قواعدها العسكرية أو مجالها الجوي لتنفيذ بعض عمليات التوقف والتزود بالوقود التي كانت واشنطن ترغب في إنجازها.
وأضافت التقارير الإسبانية أن أي قرار أمريكي يقضي بتقليص الوجود العسكري في إسبانيا ستكون له انعكاسات مباشرة على قاعدتي روتا ومورون، اللتين تشكلان ركيزتين أساسيتين للحضور العسكري الأمريكي في جنوب أوروبا، بالنظر إلى موقعهما الاستراتيجي ودورهما في تأمين الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي ومراقبة منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط التي تعرف توترات متواصلة.
ورغم الأهمية العسكرية الكبيرة لهاتين القاعدتين، اعتبرت وسائل إعلام إسبانية أن فرضية إعادة النظر في جزء من التمركز العسكري الأمريكي أصبحت مطروحة، خاصة في ظل ما وصفته بتنامي الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن المغرب يواصل تعزيز موقعه كشريك دفاعي رئيسي للولايات المتحدة في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط.
وفي السياق ذاته، تحدثت التقارير الإسبانية عن مؤشرات اعتبرتها دالة على تعميق التعاون العسكري بين البلدين، وذهبت إلى حد الإشارة إلى أن المغرب قدم، وفق تقديراتها، إشارات وعروضاً غير مباشرة لاستضافة منشآت أو قواعد عسكرية أمريكية على أراضيه، دون أن تقدم معطيات رسمية تؤكد تحقق هذا السيناريو أو وجود قرار أمريكي بهذا الشأن.
وترى هذه التقارير أن أي انتقال محتمل لجزء من الحضور العسكري الأمريكي نحو المغرب ستكون له تداعيات على إسبانيا، سواء من الجانب الاقتصادي بالنظر إلى الأثر الذي تمثله القواعد الأمريكية بالنسبة لمنطقة الأندلس، أو من الجانب الأمني، إذ من شأن مثل هذا التحول، بحسب القراءة الإسبانية، أن يعيد رسم التوازنات الاستراتيجية في غرب البحر الأبيض المتوسط.
وفي الإطار نفسه، نقلت صحيفة "لاراثون" الإسبانية في تقرير سابق تقديرات للجنرال المتقاعد خوان مونتينيغرو، الذي مثل بلاده في اللجان العسكرية التابعة لحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي بين عامي 2018 و2021، اعتبر فيها أن نقل قاعدة مورون الجوية إلى المغرب يظل احتمالاً قائماً خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا.
معتبراً أن مثل هذه الخطوة ستحمل أبعاداً سياسية ورمزية أكثر من كونها إجراءً عملياتياً، وستعكس، وفق تقديره، امتعاضاً أمريكياً من بعض المواقف الإسبانية، دون أن تصل إلى حد القطيعة بين البلدين.
واستند المسؤول العسكري الإسباني السابق في قراءته إلى اتفاقية التعاون العسكري الممتدة لعشر سنوات بين المغرب والولايات المتحدة، وإلى التطور الذي تشهده البنية التحتية العسكرية المغربية، فضلاً عن الاستثمارات المتزايدة في الصناعات الدفاعية، معتبراً أن هذه المعطيات ترفع من جاهزية المملكة لاستقبال جزء من الوجود العسكري الأمريكي إذا ماتم اتخاذ قرار بهذا الاتجاه.
وفي المقابل، شدد مونتينيغرو على أن وضع قاعدة روتا البحرية يختلف عن قاعدة مورون، مؤكداً أن نقلها أو إعادة تموضعها لا يبدو خياراً عملياً في المستقبل المنظور، بالنظر إلى التعقيدات اللوجستية والاستراتيجية التي تحيط بها، وحجم الاستثمارات الأمريكية التي ضخت فيها، إضافة إلى الاتفاقيات الثنائية المنظمة للتواجد العسكري الأمريكي في إسبانيا، والتي تمنح هذه القاعدة أهمية خاصة داخل المنظومة الدفاعية لحلف شمال الأطلسي.
كما استبعد الجنرال الإسباني السابق، بحسب ما أوردته الصحافة الإسبانية، نقل قاعدة مورون إلى دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا، رغم وجود قاعدة رامشتاين، معتبراً أن مواقف عدد من الدول الأوروبية، من بينها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، الرافضة للتصعيد العسكري ضد إيران، تجعل هذا الخيار أقل جاذبية بالنسبة لواشنطن التي تبحث عن شركاء يوفرون هامشاً أكبر من المرونة العملياتية.
وتتقاطع هذه التحليلات مع أجواء سياسية يشوبها التوتر بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحكومة بيدرو سانشيز، في ظل الخلاف بشأن استخدام القواعد العسكرية الأمريكية داخل التراب الإسباني لدعم العمليات العسكرية ضد إيران، بعدما تمسكت مدريد برفض تحويل هذه القواعد إلى منصات انطلاق أو دعم لوجستي خارج إطار الشرعية الدولية أو قرارات حلف شمال الأطلسي، مستندة إلى مقتضيات الاتفاقيات الثنائية الموقعة سنة 1988 والمعدلة لاحقاً، والتي تمنحها حق الاعتراض على طبيعة العمليات العسكرية المنطلقة من أراضيها في إطار مبدأ "الاستخدام المشترك".
وفي خضم هذا النقاش، يبرز المغرب داخل عدد من التقارير الإعلامية الإسبانية باعتباره أحد الأسماء المتداولة في أي سيناريو محتمل لإعادة انتشار القوات الأمريكية، مستفيداً من موقعه الاستراتيجي المطل على مضيق جبل طارق، ومن التطور الذي تعرفه قدراته العسكرية، حيث يعاد طرح قاعدة القصر الصغير كخيار نظري لاستضافة جزء من الوجود العسكري الأمريكي.
غير أن هذه الفرضية، رغم ما تحمله من وجاهة جيوسياسية، تبقى مرتبطة، بحسب القراءة الإسبانية، باعتبارات تقنية ومالية وزمنية، نظراً لما يتطلبه تطوير أي قاعدة بحرية أو جوية لتضاهي الإمكانات العملياتية التي توفرها قاعدة روتا، وهو ما يجعل مستقبل هذا السيناريو رهيناً بالقرارات الأمريكية المقبلة ونتائج مراجعة الانتشار العسكري المنتظر إنجازها خلال الأشهر الستة المقبلة.