هل يتوقف مسار تقصي "دعم الفراقشية" قبل انطلاقه؟
عاد ملف الدعم العمومي المخصص لاستيراد الأغنام إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني، بعدما أثار تأجيل اجتماع كان مرتقباً بمجلس النواب لتفعيل مبادرة تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق، تساؤلات جديدة بشأن مستقبل هذا المسار الرقابي، في ظل استمرار الخلافات بين الفرق البرلمانية واقتراب انتهاء الولاية التشريعية الحالية.
وكان من المنتظر أن يعقد رؤساء الفرق والمجموعات النيابية اجتماعاً صباح يوم الاثنين للشروع في الإجراءات العملية المتعلقة بإحداث لجنة لتقصي الحقائق حول كيفية تدبير الدعم الموجه لاستيراد المواشي، غير أن الاجتماع لم ينعقد بعدما غاب عدد من المسؤولين البرلمانيين المعنيين، وهو ما فتح الباب أمام تبادل الاتهامات بشأن أسباب التأجيل ومدى وجود إرادة سياسية حقيقية للمضي في هذا الورش الرقابي.
ويأتي هذا التطور في سياق تصاعد المطالب البرلمانية بالكشف عن مختلف المعطيات المرتبطة ببرنامج دعم استيراد الأغنام، الذي أثار خلال الأشهر الماضية نقاشاً واسعاً حول مدى تحقيقه للأهداف التي أعلن عنها، خصوصاً ما يتعلق بالمساهمة في خفض أسعار اللحوم الحمراء وتعزيز توازن السوق الوطنية، مقابل استمرار شكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار.
وتعتبر مكونات من المعارضة أن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق يمثل الآلية الدستورية الأنسب لتقييم تدبير هذا البرنامج، من خلال جمع الوثائق والمعطيات والاستماع إلى مختلف المسؤولين والمتدخلين، بما يسمح بتحديد مدى نجاعة الدعم العمومي وأوجه صرفه، والوقوف على نتائجه الاقتصادية والاجتماعية.
وفي المقابل، برزت داخل الأغلبية مواقف متباينة بشأن المبادرة، إذ عبرت أصوات من حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال عن استعدادها للتفاعل مع أي خطوة تروم كشف جميع المعطيات المرتبطة بالملف، في حين أعلن الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار عدم انخراطه في مبادرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، مفضلاً اللجوء إلى الآليات الرقابية البرلمانية الأخرى التي يتيحها الدستور.
ويرى الفريق أن المبادرة تواجه صعوبات قانونية وزمنية تحول دون تحقيق أهدافها، موضحاً أن لجان تقصي الحقائق تخضع لمسطرة دقيقة تتطلب استكمال شروط قانونية وتنظيمية، فضلاً عن الحاجة إلى فترة زمنية كافية لعقد جلسات الاستماع ودراسة الوثائق وإعداد التقرير النهائي، وهو ما يصعب تحقيقه مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية.
كما اعتبر أن ضيق الآجال المتبقية قد يحول اللجنة، في حال إحداثها، إلى مبادرة ذات طابع سياسي أكثر منها آلية رقابية قادرة على إنجاز المهام المنوطة بها وفق الضوابط الدستورية، مؤكداً أن ممارسة الرقابة على السياسات العمومية ينبغي أن تتم بما يحافظ على التوازن بين مبدأ المحاسبة واستمرارية العمل الحكومي.
من جانب آخر، يرى متابعون للشأن البرلماني أن الجدل الدائر حول ملف دعم استيراد المواشي يعكس تنامي المطالب بتعزيز الشفافية في تدبير الأموال العمومية، خاصة عندما يتعلق الأمر ببرامج ذات أثر مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، معتبرين أن النقاش تجاوز تقييم نتائج الدعم إلى مساءلة آليات اتخاذ القرار ومعايير الاستفادة وسبل تتبع تنفيذ الإجراءات الحكومية.
ويشير هؤلاء إلى أن عامل الزمن أصبح أحد أبرز التحديات التي تواجه المبادرة، إذ إن استكمال المساطر القانونية وجمع العدد المطلوب من التوقيعات، ثم مباشرة أعمال اللجنة وإنجاز تقريرها، يتطلب وقتاً قد لا يتوفر قبل انتهاء الولاية البرلمانية الحالية، الأمر الذي يضع مستقبل المبادرة أمام اختبار حقيقي.
وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى محدودية لجوء البرلمان المغربي إلى آلية لجان تقصي الحقائق، التي ظلت منذ اعتمادها سنة 1979 مرتبطة بعدد قليل من الملفات ذات الطابع الاستثنائي، وهو ما يجعل أي تحرك في هذا الاتجاه يحظى باهتمام سياسي وإعلامي واسع.
وفي انتظار ما ستفضي إليه المشاورات بين مكونات مجلس النواب، يظل مستقبل لجنة تقصي الحقائق رهيناً بقدرة أصحاب المبادرة على تأمين التوافق السياسي واستكمال الشروط القانونية داخل الآجال المتبقية، بينما يواصل ملف دعم استيراد المواشي فرض حضوره ضمن أكثر القضايا إثارة للنقاش داخل الساحة السياسية، في ظل استمرار المطالب بكشف مختلف تفاصيل تدبير هذا البرنامج وتقييم نتائجه على أرض الواقع.