دراسة علمية: المغرب حضارة سبقت الفينيقيين بكثير

الكاتب : الجريدة24

02 يوليو 2026 - 05:00
الخط :

هشام رماح

"لم يكن المغرب، مجرد محطة استقبلت الحضارات القادمة من شرق البحر الأبيض المتوسط، كما ظلت تروج لذلك بعض الروايات التاريخية، بل كان منذ آلاف السنين مركزا حضاريا فاعلا يربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم الأطلسي، قبل وصول الفينيقيين إلى سواحله بقرون طويلة"، وفق ما كشفته دراسة علمية حديثة، أوردها موقع "The Conversation".

وفيما اعتمدت الدراسة، التي جمعت بين نتائج الحفريات الأثرية وتحاليل الحمض النووي وتقنيات التأريخ بالكربون المشع، على معطيات تغطي نحو ثلاثة آلاف سنة من تاريخ شمال غرب إفريقيا، فإنها خلصت إلى أن الفترة الممتدة بين 3800 و500 سنة قبل الميلاد شهدت ظهور مجتمعات مستقرة ومتطورة في المغرب

ووفق الموقع المتخصص، وكما أن المؤرخين يغفلون المغرب كمحطة مهمة للحضارة البشرية، فإنه شهد مجتمعات متطورة، تتزامن مع بناء "Stonehenge" في بريطانيا، وازدهار الدولة الفرعونية الحديثة، واتساع التجارة الفينيقية في البحر الأبيض المتوسط.

وتؤكد الدراسة أن المغرب كان يشكل آنذاك نقطة التقاء بين الفضاءات المتوسطية والأطلسية والصحراوية، مستفيدا من موقعه الاستراتيجي عند مضيق جبل طارق، الذي لا تتجاوز أضيق نقطة فيه 14 كيلومترا، ما جعله ممرا طبيعيا للتواصل بين إفريقيا وأوروبا.

وكشفت الدراسة بأن سكان المغرب الأقدمون، مارسوا الزراعة وتربية الماشية منذ الألفية السادسة قبل الميلاد، قبل أن يشهد هذا النشاط تطورا لافتا ابتداء من نحو 3800 سنة قبل الميلاد، إذ يبرز موقع "واد بهت" كأحد أهم الشواهد على ذلك، ويمتد على مساحة تقارب عشرة هكتارات ويعد من أكبر التجمعات الزراعية المعروفة في إفريقيا ما قبل التاريخ، حيث كان يضم أكثر من ألف نسمة، مع منشآت لتخزين المحاصيل وتنظيم متقدم للإنتاج الزراعي.

كذلك، أظهرت الحفريات وجود روابط منتظمة مع شبه الجزيرة الإيبيرية، من خلال تشابه أنماط الفخار، والعثور على مصنوعات من العاج وقشور بيض النعام، بما يعكس وجود شبكات تبادل نشطة عبر مضيق جبل طارق، ويؤكد أن المجتمعات المغربية لم تكن معزولة، بل شاركت بفاعلية في التجارة الإقليمية.

وانخرط المغرب، وفي الألفية الثالثة قبل الميلاد، في شبكة حضارية واسعة عرفت بثقافة "الجرس الفخاري"  (Bell Beaker)، غير أن الباحثين يؤكدون أن السكان المحليين لم يكتفوا باستيراد هذه التأثيرات الأوروبية، بل أعادوا توظيفها بما يتلاءم مع تقاليدهم المحلية، في دليل على قدرة هذه المجتمعات على الابتكار والتكيف، وليس مجرد تلقي التأثيرات الخارجية.

وأوردت الدراسة ما وصفته باستمرار العلاقات البعيدة المدى خلال العصر البرونزي، مستشهدة باكتشاف سيف برونزي في شمال المغرب يشبه إلى حد كبير نماذج عثر عليها في الجزر البريطانية، ما يشير إلى وجود شبكات تواصل امتدت إلى ما وراء البحر الأبيض المتوسط.

وتتحدى هذه النتائج التصور التقليدي الذي يعتبر وصول الفينيقيين بداية التاريخ الحضاري للمغرب، والمعطيات الأثرية المستخلصة تظهر أن السكان المحليين حافظوا على عمارتهم وأنماط عيشهم، مع تبني انتقائي لبعض التقنيات الجديدة، مثل صناعة الفخار بالعجلة واستعمال الحديد، دون التخلي عن هويتهم الثقافية.

واستنادا إلى الدراسة فإن هذه الاكتشافات تعيد الاعتبار للدور التاريخي للمغرب في تشكيل فضاء غرب البحر الأبيض المتوسط، وتؤكد أن المجتمعات المحلية كانت فاعلا رئيسيا في بناء شبكات التبادل والتواصل، وليس مجرد متلق للتأثيرات القادمة من الخارج، وهو ما يدفع إلى إعادة قراءة تاريخ المنطقة انطلاقا من الأدلة العلمية الحديثة.

آخر الأخبار