هل تعرقل هشاشة التشغيل تحقيق الاستقلالية الاقتصادية للفئات الهشة؟

الكاتب : الجريدة24

11 August 2026 - 09:00
الخط :

لا يزال موضوع الإدماج الاقتصادي والمساواة بين الجنسين يفرض نفسه بقوة ضمن النقاش العمومي، بعدما دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تقريره السنوي، إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الرامية إلى تحقيق عدالة اجتماعية أكثر شمولاً، معتبراً أن المكاسب المؤسساتية المحققة في هذا المجال لم تُستثمر بعد بالشكل الكافي لتحسين الوضعية الفعلية للنساء وتعزيز استقلاليتهن الاقتصادية.

وسجل التقرير أن سنة 2025 شهدت مواصلة تنفيذ الخطة الحكومية للمساواة 2023-2026، مع التركيز على التمكين الاقتصادي للنساء وتعزيز ريادتهن ومكافحة الصور النمطية، إلى جانب تفعيل آليات الميزانية المستجيبة للنوع الاجتماعي عبر تتبع النفقات الموجهة لتعزيز المساواة. ورغم هذا التقدم، أكد المجلس أن الأثر الملموس لهذه الدينامية لا يزال محدوداً، في ظل استمرار الفجوة بين التقدم المؤسساتي والواقع الاجتماعي.

وتبرز هذه الفجوة بشكل لافت في سوق الشغل، حيث لم يتجاوز معدل نشاط النساء خلال سنة 2025 نسبة 19 في المائة، وهو ما يعكس استمرار عوائق بنيوية تحد من ولوجهن إلى الحياة الاقتصادية، رغم التحسن المسجل في مجالات التعليم والحماية الاجتماعية والمساواة القانونية. ويرى المجلس أن هذا الوضع يستدعي اعتماد مقاربة أكثر إدماجاً لمعالجة مختلف العوامل المؤثرة في ولوج النساء إلى سوق الشغل والمبادرة المقاولاتية ومواقع المسؤولية الاقتصادية.

وفي هذا السياق، شدد التقرير على أن الإدماج الاقتصادي للنساء لا يقتصر على تحقيق المساواة، بل يمثل رافعة أساسية للنمو وتعزيز التنافسية وتقوية التماسك الاجتماعي ودعم صمود الأسر، خاصة في ظل التحولات الديمغرافية والاقتصادية التي يشهدها المغرب، حيث يظل تحرير الإمكان الاقتصادي للنساء شرطاً محورياً لتحقيق تنمية مستدامة وأكثر إدماجاً.

وعلى صعيد أوسع، اعتبر المجلس أن الإدماج الاقتصادي يشكل إحدى ركائز الدولة الاجتماعية، إذ لا يقتصر على توفير فرص الشغل، بل يتطلب ضمان دخل كافٍ واستقرار مهني وحماية اجتماعية فعلية، بما يتيح تحقيق الاستقلالية وتأمين المسارات الحياتية.

غير أن المعطيات تشير إلى أن 31.6 في المائة فقط من النشيطين المشتغلين يستفيدون من التغطية الصحية المرتبطة بالشغل، مع تفاوت واضح بين الوسط الحضري بنسبة 43 في المائة والوسط القروي بنسبة 12.4 في المائة، ما يعكس محدودية أثر التشغيل في ضمان الحماية الاجتماعية.

كما أظهر التقرير أن مسارات الانتقال نحو الاستقلالية الاقتصادية لا تزال غير مؤمنة بشكل كافٍ، حيث يوجد أكثر من ثلث العاطلين في وضعية بطالة مباشرة بعد مغادرة الدراسة، في حين يواجه الشباب صعوبات كبيرة في الاندماج في سوق الشغل، خاصة فئة غير المشتغلين وغير المتمدرسين وغير المتابعين لأي تكوين، التي تضم حوالي 4 ملايين شابة وشاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، أكثر من 72 في المائة منهم نساء، و76 في المائة لا يتوفرون على شهادة تأهيلية.

وفي ما يتعلق بدينامية النسيج الاقتصادي، أشار التقرير إلى أن المقاولات صرحت خلال سنة 2024 بحوالي 4.1 ملايين أجير لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بزيادة قدرها 2 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، كما تم إحداث 68 ألف مقاولة جديدة، تشكل المقاولات متناهية الصغر 98.5 في المائة منها، وهو ما يعكس الدور المحوري لهذه الفئة في خلق فرص الشغل وتعزيز الإدماج الاقتصادي.

غير أن هذه الدينامية تصطدم بتحديات مرتبطة بالاستدامة، إذ لا تزال المقاولات الصغيرة جداً تمثل 98.8 في المائة من مجموع حالات الإفلاس المسجلة، والتي بلغ عددها 15 ألفاً و307 حالات، رغم تراجع إجمالي حالات الإفلاس بنسبة 3.3 في المائة خلال سنة 2025، ما يبرز هشاشة هذا النسيج الاقتصادي والحاجة إلى مواكبته عبر تبسيط الإجراءات وتيسير الولوج إلى التمويل والمعلومة وتعزيز الدعم في مجالات التسيير.

وخلص المجلس إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد مرتبطاً فقط بإحداث مناصب الشغل، بل بمدى القدرة على جعل التشغيل رافعة فعلية للاستقلالية الاقتصادية والحماية الاجتماعية والارتقاء الاجتماعي، وهو ما يتطلب تنسيقاً أفضل بين سياسات التشغيل والتكوين والحماية الاجتماعية، إلى جانب اعتماد مقاربات تدريجية للإدماج تقوم على دعم التكوين والمواكبة والتشغيل الذاتي.

وفي ظل هذه المعطيات، يؤكد التقرير أن تحقيق تنمية أكثر شمولاً يمر عبر تعزيز التمفصل بين مختلف السياسات العمومية، بما يضمن تأمين الدخل وتحقيق الاستقلالية الاقتصادية في الآن ذاته، ويكرس نموذجاً تنموياً أكثر عدالة واستدامة.

آخر الأخبار