حين تتحول الصحافة إلى سمسار انتخابي.. من يوقف تسعير الضمائر بـ 120 مليون ؟
عن الزميلة لاروليف... امينة المرنيسي
تطل علينا، مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، فئة من المنابر الصحفية التي تتخلى فجأة عن دورها في مراقبة العملية الديمقراطية، لتتحول إلى ما يشبه وكالات تجارية لتسويق الأحزاب والمرشحين. لا برامج تهمها، ولا كفاءات تقنعها، ولا حصيلة تستحق التقييم، بل عروض مالية ولوائح أسعار و"باقات" جاهزة لتلميع الوجوه، وتبييض الحصيلة، وصناعة شعبية رقمية قد لا يكون لها أي وجود في الواقع.
إنها ظاهرة يمكن تسميتها بلا مجاملة بالتسول الانتخابي باسم الصحافة.
والأخطر أن بعض المتورطين فيها ليسوا منابر صغيرة تصارع من أجل البقاء، بل مؤسسات تتلقى الأموال من الداخل والخارج، وتحيط مصادر تمويلها وعلاقاتها الخارجية أسئلة مشروعة حول الشفافية والاستقلالية. ومع ذلك، لا تتردد في طرق أبواب الأحزاب والمرشحين، عارضة عليهم خدمات انتخابية مدفوعة في صورة تغطيات صحفية.
وإذا صح أن موقعا إخباريا حدد ثمن مواكبته لحملة انتخابية في مائة وعشرين مليون سنتيم، أي مليون ومائتي ألف درهم، فإننا لم نعد أمام خدمة إعلانية عادية، بل أمام واقعة تستوجب التدقيق والتحقيق، ما طبيعة هذه الخدمات؟ هل يتعلق الأمر بمساحات إشهارية معلنة بوضوح، أم بتغطيات تحريرية مدفوعة تقدم إلى الجمهور في صورة أخبار وتحليلات مستقلة؟ ومن أين ستدفع هذه الأموال؟ وهل ستدرج كاملة ضمن حسابات الحملة الانتخابية وتدعم بفواتير ووثائق قانونية؟ أم ستتحول إلى أموال تدور في مناطق الظل؟
من منح هذه المنابر حق وضع تعريفة مالية للتأثير في إرادة الناخبين؟ هل حصلت على تفويض من وزارة الداخلية؟ أم ترخيص من الوزارة المكلفة بالتواصل؟ أم أنها نصبت نفسها وسيطا بين المال والسياسة، وقررت أن الصحافة ليست سلطة مضادة، وإنما بضاعة تباع لمن يدفع أكثر؟
الفرق واضح بين الإشهار الانتخابي المشروع وبين بيع الخط التحريري. فمن حق الأحزاب والمرشحين اقتناء مساحات إعلانية في إطار القانون، بشرط إعلان طبيعتها الإشهارية، واحترام قواعد الشفافية والمساواة، وإدراج مصاريفها ضمن حسابات الحملات. أما نشر مقالات مدفوعة الثمن تقدم إلى القارئ على أنها أخبار مستقلة، أو شن حملات ضد خصوم من رفضوا الدفع، أو تحويل الصحافيين إلى ملحقين دعائيين، فليس إعلاما ولا تواصلا سياسيا، بل تضليل للناخب واستغلال لثقة الجمهور.
الصحافي الذي يقايض نزاهته الانتخابية بالمال لا يبيع مساحة في موقعه فقط، إنه يبيع حق المواطن في الحصول على معلومة مستقلة. وعندما يصبح المدح مدفوع الثمن، ويتحول الصمت إلى خدمة مؤدى عنها، ويغدو الهجوم وسيلة للابتزاز، تفقد الصحافة معناها وتصبح جزءا من المشكلة التي يفترض أن تكشفها.
القانون المغربي لا يترك تمويل الحملات الانتخابية بلا رقابة. فالأحزاب والمرشحون ملزمون بتقديم حسابات مفصلة عن نفقاتهم، مرفقة بوثائق الإثبات، ويتولى المجلس الأعلى للحسابات مراقبة تمويل الحملات الانتخابية. وقد أكدت المحكمة الدستورية، ضرورة تضمين حساب الحملة جردا مفصلا للنفقات وإرفاقه بالمستندات المثبتة لاستعمال الأموال. وهذا يعني أن مبلغ مليون ومائتي ألف درهم لا يمكن التعامل معه كرقم عابر، بل يجب تحديد مصدره ووجهته وطبيعته المحاسبية ومدى احترامه لسقف النفقات والقواعد التنظيمية.
كما أن ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة، يجعل من الاستقلالية والنزاهة وعدم تضليل الجمهور من صميم المسؤولية المهنية. وحتى إذا لم يوجد نص جنائي يعاقب بالاسم على "التسول الانتخابي"، فإن الأفعال المرافقة له قد تخضع، بحسب طبيعتها، لقواعد تمويل الحملات، والشفافية المحاسبية والضريبية، والإشهار، والتضليل، وربما الرشوة أو الابتزاز إذا توافرت عناصرهما القانونية. والتكييف النهائي يظل من اختصاص الجهات الرقابية والقضائية بعد التحقيق، لا من اختصاص المنابر أو خصومها.
لذلك، فإن وزارة الداخلية، والوزارة المكلفة بالتواصل، والمجلس الأعلى للحسابات، وهيئات التنظيم الذاتي، مطالبة بفتح نقاش وتحقيق جديين حول سوق "لباقات الانتخابية" التي تعرضها بعض المواقع. وينبغي إلزام المنابر بالفصل الصريح بين المادة الصحفية والإشهار المدفوع، ونشر هوية الجهة الممولة، وقيمة الصفقة، وطبيعة الخدمات، حتى يعرف المواطن متى يقرأ خبرا ومتى يتعرض لدعاية سياسية مقنعة.
الانتخابات ليست موسما لاصطياد الأحزاب، والصحافة ليست دكانا لتأجير الضمائر. ومن يضع سعرا لنزاهته اليوم، لن يكون غدا قادرا على مطالبة السياسي بالنزاهة. وإذا سكتت المؤسسات عن هذه التجارة، فإن الخاسر لن يكون حزبا أو مرشحا بعينه، بل ثقة المغاربة في الصحافة وفي العملية الانتخابية برمتها.