حكومة المنصوري تحت مجهر الوعود الانتخابية.. أين اختفت أرقام التشغيل والدعم والإعفاءات الضريبية؟
لم تمضِ سوى الأيام الأولى على تنصيب حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، حتى بدأت التساؤلات تثار بشأن مدى انعكاس الوعود الانتخابية للأحزاب المشكلة للأغلبية على مضامين البرنامج الحكومي.
فالتصريح الذي قدمته رئيسة الحكومة أمام البرلمان، يوم أمس الإثنين، فتح باب النقاش حول عدد من الالتزامات التي تصدرت الحملات الانتخابية، خصوصًا في مجالات التشغيل والدعم الاجتماعي والإصلاحات الضريبية، وسط انتقادات من المعارضة بشأن غياب تفاصيل دقيقة حول بعض الأهداف والآجال وآليات التنفيذ.
وفي هذه المرحلة المبكرة، لا يتعلق الأمر بتقييم حصيلة حكومة لم تستكمل بعد أيامها المائة الأولى، بل بطرح أسئلة بشأن الأولويات التي اختارتها، ومدى وضوح التزاماتها، وما إذا كانت ستقدم خلال الفترة المقبلة توضيحات كافية بشأن الوعود التي لم تظهر تفاصيلها في التصريح الحكومي.
وبينما تشكل هذه المرحلة فرصة أولى لقياس توجهات السلطة التنفيذية، فإن الاختبار الحقيقي سيظل مرتبطا بمدى تحويل الالتزامات السياسية إلى إجراءات واضحة، محددة الآجال والتمويل وقابلة للتقييم والمحاسبة.
وفي صدارة الأسئلة المطروحة، يبرز وعد حزب الأصالة والمعاصرة بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال الولاية الحكومية، وهو أحد أبرز التعهدات التي قدمها الحزب خلال حملته الانتخابية.
فقد تضمن التصور المعلن توزيع هذه المناصب على قطاعات متعددة، تشمل 360 ألف منصب مرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030 والأنشطة الإنتاجية والخدماتية المواكبة، و270 ألف منصب في الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، و250 ألف منصب في الصناعة، فضلا عن استقرار 80 ألف فلاح شاب في العالم القروي وإحداث 40 ألف منصب في المجال الرياضي.
غير أن غياب التزام رقمي مماثل في التصريح الحكومي يفتح الباب أمام التساؤل بشأن مصير هذا الهدف، وكيفية قياس تقدم الحكومة في تحقيقه، خصوصا في ظل تعهد الحزب بخفض معدل البطالة من 10.8 في المائة إلى 7 في المائة بحلول سنة 2031.
ولا يتوقف النقاش عند العدد الإجمالي لمناصب الشغل، بل يمتد إلى البرامج الموجهة للشباب الباحثين عن أول فرصة مهنية.
فقد التزم الحزب بتمكين نحو 500 ألف شاب خلال خمس سنوات من اكتساب تجربة مهنية أولى عبر برنامج «أول عقد شغل»، إلى جانب مواكبة 60 ألف مقاولة، بينما تضمن الخطاب الانتخابي تعهدات أخرى تتعلق بتوسيع فرص الإدماج المهني وتحسين قابلية الشباب للتشغيل.
وتطرح هذه الأهداف سؤالا حول ما إذا كانت الحكومة ستحتفظ بهذه البرامج ضمن أولوياتها، أم ستعيد صياغتها أو تؤجل تنفيذها، وما إذا كان بإمكانها تقديم جدول زمني واضح يحدد المستفيدين والموارد المالية وآليات التتبع والتقييم.
وفي الجانب الجبائي، يثير غياب توضيحات دقيقة بشأن الوعود المرتبطة بالضريبة على الدخل بدوره علامات استفهام. فقد سبق أن طرح الحزب إعفاء الأجور التي تقل عن 15 ألف درهم من هذه الضريبة، وخفض النسبة إلى 10 في المائة بالنسبة إلى الأجور التي تتراوح بين 15 ألفا و39.999 درهما.
كما شملت التعهدات الاجتماعية رفع الدعم المباشر إلى 1000 درهم، إلى جانب إعفاء فواتير الماء والكهرباء التي تقل عن 100 درهم، وفق ما ورد في المعطيات المقدمة حول البرامج الانتخابية.
وأمام ما أثير بشأن تأجيل بعض هذه الالتزامات إلى سنة 2031، تتزايد الحاجة إلى توضيح كيفية تنزيلها، والفئات المستفيدة منها، وكلفتها المالية، ومدى انسجامها مع الأهداف المعلنة بشأن النمو والعجز.
وقد انتقلت هذه التساؤلات إلى واجهة النقاش البرلماني، إذ اعتبر إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، أن التصريح الحكومي أغفل قضايا أساسية، من بينها مغاربة العالم والسياسة الخارجية، كما انتقد تأجيل عدد من الالتزامات الانتخابية إلى نهاية الولاية الحكومية.
وذهب الأزمي إلى أن العرض المقدم أقرب إلى برنامج انتخابي منه إلى برنامج حكومي متكامل، باستثناء بعض المحاور المتعلقة بمحاربة الفساد والإثراء غير المشروع.
من جهته، وصف مصطفى الخلفي، عضو الفريق النيابي نفسه، التصريح بأنه أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى برنامج حكومي قائم على إجراءات محددة وآجال واضحة وتمويل مضبوط، مشيرا إلى ما اعتبره تراجعا عن بعض التعهدات، وفي مقدمتها الدعم المباشر وإعفاء فواتير الماء والكهرباء منخفضة القيمة. وتظل هذه المواقف جزءا من تقييم المعارضة، في انتظار ما ستقدمه الحكومة من توضيحات وردود بشأن أولوياتها التنفيذية.
وفي المقابل، لا تقتصر المحاسبة السياسية على الوعود التي أعلنها حزب الأصالة والمعاصرة، بل تشمل أيضا تعهدات باقي مكونات الأغلبية.
فقد حدد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أهدافا تتعلق بخفض البطالة العامة إلى أقل من 8 في المائة، وبطالة الشباب إلى أقل من 10 في المائة، وبطالة النساء إلى أقل من 15 في المائة، مع رفع نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل إلى أكثر من 30 في المائة.
كما طرح حزب الاستقلال برامج تستهدف تسهيل انتقال الشباب إلى سوق العمل، من بينها «تجربتي»، الذي يقترح تجربة مهنية أولى تمتد من 6 إلى 18 شهرا، وبرنامج "آفاق" الرامي إلى عدم ترك الشباب خارج الدراسة أو التكوين أو الشغل أو المواكبة لأكثر من 6 أشهر، فضلا عن مبادرة "100 ألف موهبة رقمية" لتكوين الشباب في مجالات العمل عن بعد والخدمات الرقمية. وتستدعي هذه الالتزامات بدورها توضيح موقعها داخل البرنامج الحكومي، ومدى اعتمادها وآليات تمويلها وتنفيذها.
وتبرز ملفات أخرى مرتبطة بتنظيم سوق الشغل وحماية الأجراء بوصفها اختبارا إضافيا لمدى انسجام البرامج الانتخابية مع الأولويات الحكومية. فقد تضمنت مقترحات الأحزاب تقوية مفتشية الشغل، وتوسيع استخدام الأدوات الرقمية في مراقبة المخالفات، وربط الاستفادة من الدعم العمومي باحترام شروط الشغل اللائق والتصريح بالأجراء وتوفير التغطية الاجتماعية.
بينما طرح حزب التقدم والاشتراكية إحداث منصة رقمية للتبليغ عن التحرش والتمييز والاختلالات المرتبطة بالأجور. وإلى جانب ذلك، شملت مقترحات الأصالة والمعاصرة إعفاء المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا من الضريبة لمدة خمس سنوات مقابل إحداث ثلاثة مناصب شغل، وتخصيص 15 في المائة من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة، ورصد 1.2 مليار درهم سنويا في شكل قروض للشباب في العالم القروي. ويبقى السؤال المطروح هو مدى انتقال هذه التصورات من البرامج الحزبية إلى تدابير حكومية محددة.
وبين غياب بعض الأهداف الرقمية عن التصريح الحكومي، والانتقادات التي وجهتها المعارضة، وانتظار توضيحات بشأن الالتزامات المؤجلة، تجد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام اختبار مبكر لمصداقية تعهداتها وقدرتها على تقديم برنامج قابل للقياس والمحاسبة.