أزمة الموارد البشرية تستنفر منتخبي الدار البيضاء ومكتب دراسات يدخل على الخط
عاد ملف الموارد البشرية داخل جماعة الدار البيضاء والمقاطعات الـ16 التابعة لها إلى واجهة الانشغالات التدبيرية للمجلس الجماعي، مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية، في ظل تزايد التحديات المرتبطة بتراجع عدد الموظفين وتراكم الخصاص في عدد من المصالح الإدارية، وما يفرضه ذلك من ضرورة إيجاد حلول تضمن استمرارية المرافق العمومية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتسابق مكونات المجلس الجماعي الزمن لتحديد الحاجيات الفعلية من الموارد البشرية، والوقوف على الاختلالات التي تعيق السير العادي للإدارة الجماعية، خصوصا في ظل اتساع المهام الملقاة على عاتق الجماعة وتعدد الملفات التي تتطلب كفاءات إدارية وتقنية متخصصة، بما يجعل معالجة هذا الورش من بين الرهانات المطروحة قبل انتهاء الولاية الحالية.
ووفق المعطيات المتوفرة لدى "الجريدة 24" من مصادرها، فقد لجأت جماعة الدار البيضاء مؤخرا إلى التعاقد مع مكتب دراسات من أجل تشخيص وضعية الموارد البشرية، وتحديد مكامن الخصاص على مستوى مختلف القطاعات والمصالح، ورصد الحاجيات الحقيقية من الموظفين، بما يسمح بوضع تصور أكثر دقة لتوزيع الأطر والكفاءات وفق متطلبات العمل الإداري.
ويرتقب أن يشمل هذا العمل إعداد مرجع خاص بالمهن والكفاءات، إلى جانب تحديد الاختصاصات التي تحتاج إلى تعزيز، واقتراح آليات لتطوير تدبير الموارد البشرية والارتقاء بمستوى التأهيل المهني، من خلال إيلاء أهمية أكبر للتكوين المستمر ومواكبة التحولات التي تعرفها الإدارة الجماعية، بما يساعد على تجاوز الاختلالات المرتبطة بتوزيع الموظفين وتدبير المسارات المهنية.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن عددا من المصالح الإدارية تواجه صعوبات في توفير الموارد البشرية المؤهلة لتدبير الملفات المعروضة عليها، لاسيما في قطاعات التعمير والإسكان وتدبير الممتلكات، وهي مجالات تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها المباشر بتدبير الشأن المحلي ومواكبة المشاريع والاستجابة لانتظارات المرتفقين. كما تثير هذه الوضعية نقاشا بشأن مدى ملاءمة توزيع الأطر الحالية مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق مختلف المصالح.
وفي السياق ذاته، سبق أن أثار عدد من المنتخبين ملاحظات بشأن طريقة تدبير التوظيف ومناصب المسؤولية، خصوصا ما يتعلق بمسار بعض مباريات التوظيف التي لم تستكمل إجراءاتها في عدد من الحالات، سواء بسبب التأجيل أو الإلغاء أو عدم تفعيل التعيينات رغم الإعلان عن النتائج.
وتطرح هذه الإشكالات علامات استفهام حول مدى ارتباط عمليات التوظيف بالحاجيات الفعلية للإدارة، ومدى التنسيق بين مختلف مراحل الانتقاء والتعيين، خصوصا عندما تتزامن هذه التعثرات مع تغييرات وإعفاءات تطال بعض المسؤوليات الإدارية.
وتكشف الأرقام الواردة في مذكرة تقديم مشروع ميزانية جماعة الدار البيضاء برسم سنة 2027 عن حجم التراجع الذي عرفته الموارد البشرية خلال السنوات الأخيرة، إذ انخفض عدد الموظفين من 11 ألفا و394 موظفا سنة 2020 إلى 7 آلاف و231 موظفا سنة 2026، أي بفارق يصل إلى 4 آلاف و163 موظفا، وبنسبة تراجع بلغت 36.54 في المائة خلال ست سنوات، وهو انخفاض يطرح تحديات متزايدة بشأن قدرة المصالح الجماعية على مواصلة أداء مهامها بالموارد المتاحة.
ويُعزى هذا التراجع، وفق المعطيات الواردة في الوثيقة، أساسا إلى الإحالة على التقاعد والتقاعد النسبي، الأمر الذي يجعل تعويض الموظفين المغادرين وتجديد الكفاءات من أبرز الملفات التي تستدعي معالجة استباقية
وتزداد صعوبة الوضع بالنظر إلى البنية العمرية للموظفين، إذ تشير الأرقام نفسها إلى أن الفئة التي تتراوح أعمارها بين 50 و62 سنة تمثل 81.85 في المائة من مجموع الموارد البشرية، ما يعكس حجم الرهان المرتبط بتجديد الأطر وضمان انتقال الخبرات والتجارب المهنية إلى أجيال جديدة من الموظفين، تفاديا لحدوث خصاص أكبر خلال السنوات المقبلة، خصوصا في التخصصات التي تتطلب خبرة تقنية وإدارية متراكمة.
وبين ضغط نهاية الولاية الانتخابية وتراجع عدد الموظفين وارتفاع نسبة الأطر القريبة من سن التقاعد، تجد جماعة الدار البيضاء نفسها أمام تحدي إعادة ترتيب أولوياتها في مجال التدبير الإداري، بما يتجاوز المعالجة الظرفية للخصاص نحو وضع رؤية تستجيب للحاجيات الفعلية للمصالح الجماعية.