أسعار اللحوم الحمراء تواصل التحليق.. هل تنجح الإعفاءات الضريبية في إنقاذ جيوب المغاربة؟
تواصل أسعار اللحوم الحمراء إثارة قلق الأسر المغربية، في ظل استمرار ارتفاع كلفة اقتناء اللحوم المحلية والمستوردة، واتساع الفجوة بين الأسعار عند الاستيراد وأثمان البيع للمستهلك النهائي، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش بشأن دور الوسطاء وهوامش الربح وفعالية التدابير الحكومية الرامية إلى تخفيف الضغط على القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، رصدت "الجريدة 24" مواقف عدد من المهنيين الذين تحدثوا عن الصعوبات التي يواجهها القطاع، بالتزامن مع مطالب متجددة بتعزيز الشفافية في مسالك التوزيع وضمان انعكاس الإجراءات الضريبية على الأسعار المعروضة في محلات الجزارة.
وأكد مهنيون في تصريحات لـ"الجريدة 24" أن سوق اللحوم الحمراء تشهد ارتفاعات تشمل أصنافا متعددة، معتبرين أن استمرار الوضع الحالي يضع الجزارين والمستهلكين معا أمام تحديات متزايدة.
ودعوا الحكومة إلى منح هذا القطاع الحيوي أولوية أكبر، من خلال إعادة تنظيم سلاسل الإنتاج والتسويق والتوزيع، بما يحد من الاختلالات التي ترفع التكلفة النهائية، ويتيح للمواطنين اقتناء اللحوم بأثمان تتناسب مع مستويات دخلهم.
وأوضح أحد المهنيين، أن ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف نقل الماشية من مناطق الإنتاج البعيدة، ومنها دكالة، يزيد الضغط على أسعار اللحوم البلدية.
وأضاف أن كلفة بعض الأصناف ارتفعت، وفق تقديره، بما يتراوح بين 10 و15 درهما للكيلوغرام على مستوى البيع بالجملة، فيما بلغ سعر لحم العجل المحلي، بحسب المعطيات التي قدمها، نحو 115 إلى 120 درهما للكيلوغرام، ما يجعله خارج متناول شريحة من المستهلكين.
وحذر المهني نفسه من أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يدفع مزيدا من محلات الجزارة الصغيرة إلى التوقف عن النشاط.
وفي مقابل هذه المعطيات، عاد النقاش حول أسعار اللحوم المستوردة إلى الواجهة عقب تصريحات فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، بشأن الفارق بين كلفة وصولها إلى المغرب وأسعار بيعها بالتقسيط.
ووفق الأرقام التي أبرزها المرصد المغربي لحماية المستهلك في بلاغه، فإن سعر الكيلوغرام الواحد عند الاستيراد يناهز 60 درهما، مقابل نحو 80 درهما كسعر مستهدف للبيع للمستهلك، بينما تصل بعض الأسعار المتداولة بالتقسيط إلى ما بين 150 و160 درهما للكيلوغرام، وهي مستويات تستدعي، بحسب المرصد، التدقيق في مكونات التكلفة وتحديد العوامل التي تفسر هذا التفاوت.
وشدد المرصد المغربي لحماية المستهلك، على أن الفارق بين سعر الاستيراد وسعر البيع النهائي لا يمكن اعتباره ربحا صافيا بشكل تلقائي، بالنظر إلى ما تتطلبه العملية التجارية من مصاريف النقل والتبريد والتخزين والتوزيع، فضلا عن التكاليف الأخرى المرتبطة بالتسويق.
لكنه طالب، في المقابل، بتوضيح هوامش الربح ومختلف حلقات الوساطة، وتعزيز مراقبة المضاربة وإشهار الأسعار، مع الكشف عن مصدر اللحوم وضمان سلامتها، حتى يتسنى للمستهلك معرفة حقيقة الأثمان التي يؤديها ومدى تناسبها مع التكلفة الفعلية للمنتوج.
وعلى المستوى التشريعي، يترقب المهنيون ما قد تحمله التدابير الضريبية المرتبطة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يتضمن مقتضيات ترمي إلى توسيع الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد ليشمل الأبقار والأغنام والماعز والإبل الحية، إلى جانب لحوم هذه الفصائل وأحشائها الطرية أو المبردة أو المجمدة.
ويأتي هذا التوجه استكمالا لإجراءات سابقة اتخذت خلال سنة 2026 لتخفيف الأعباء المرتبطة باستيراد المواشي واللحوم، وسط آمال بأن تسهم هذه التدابير في تقليص كلفة التزود وتحسين التموين، غير أن انعكاسها الفعلي على أسعار البيع سيظل رهينا بكيفية تطبيقها ومدى انتقال أثرها إلى المستهلك النهائي.
ويراهن عدد من المهنيين على أن يؤدي تخفيف الأعباء الضريبية إلى تراجع محدود في أسعار اللحوم، تتراوح تقديراتهم بشأنه بين 5 و10 دراهم للكيلوغرام، لكنهم يشددون على أن الإعفاءات وحدها لن تكون كافية ما لم تواكبها مراقبة فعالة لمسالك التسويق والتوزيع، والحد من تعدد الوسطاء، وضمان منافسة أكثر شفافية بين الفاعلين.
وفي المقابل، سبق لمكونات من المعارضة أن أثارت تساؤلات بشأن جدوى استيراد نحو 300 ألف رأس من الماشية والاستفادة من إعفاءات ضريبية وجمركية، في ظل استمرار الأسعار المرتفعة، مطالبة بتوضيح الجهات المستفيدة من هذه التدابير ومدى انعكاسها على القدرة الشرائية للمواطنين.
ومن بين المقترحات التي طُرحت في هذا النقاش، التوجه نحو موريتانيا لتأمين واردات إضافية من الماشية، مع دراسة إمكانية استيراد ما بين مليون ومليوني رأس، وإحداث مجزر معتمد بمنطقة الكركرات لتوجيه اللحوم نحو السوق المغربية.
وبين مطالب المهنيين بإعادة هيكلة القطاع، ودعوات المرصد المغربي لحماية المستهلك إلى كشف هوامش الربح ومراقبة الأسعار، وانتظارات الأسر من الإجراءات الضريبية المرتقبة، يظل التحدي الأساسي هو ضمان انتقال أي انخفاض في كلفة الاستيراد إلى أثمان البيع، بدل أن يتوقف أثر التدابير عند حلقات التوريد والتوزيع، فيما تستمر اللحوم الحمراء في الابتعاد عن القدرة الشرائية لفئات واسعة من المغاربة.