المغاربة وخروف العيد و”كورونا”.. – الجريدة 24

المغاربة وخروف العيد و"كورونا"..

الكاتب : الجريدة24

31 يوليو 2020 - 12:30
الخط :

هشام رماح

أغلب المغاربة لا يذرون شيئا من أضاحيهم في عيد النحر الكبير، لأن كل شيء في الخروف يسخر لغرض ما، فبينما يملأ اللحم البطون تفي القرون بصنع تذكارات تحمل نقوشا وآيات قرآنية، أما الأمعاء فإنها تغدو حبالا قوية بعد التجفيف تشد بها الخيام وجلود الطبول، كما قد تستعمل من لدن بعض المتنمرين لصناعة نقانق تغفلها أعين المراقبين، بينما الجلود تتحول صناعيا بعد الدبغ إلى أحذية أو حقائب أو خلافا لذلك "هياضر" تجنب مفترشيها بردا يشل الأوصال...

رغم جائحة "كوورنا" والكساد الذي هبت به، بعث العيد الكبير الكثير من الحماسة في أوصال لحسن، القاطن بحي ياسمينة بمنطقة عين الشق، فالرجل الذي ظل واجما على مدى الحجر الصحي تهللت أساريره بعدما أزف عيد الأضحى، وقد أعاد بعد إغلاق طويل فتح المحل الواسع القابع أسفل منزل أسرته، حيث اعتاد شراء جلود الأضاحي من لدن جيرانه بعد نحرهم أكباشهم.

جلود تصبح أفرشة وأحذية

ولم يشذ لحسن عن عادته، رغم اجتياح "كوفيد-19" وهو الآن يفتح أبواب محله باكرا رغم مخبرا زبائنه الموسميين أنه "هنا".

ووفق لحسن الذي تحدث مع "الجريدة 24" فإن "العيد هو مناسبة عمل بالنسبة إلينا، فنحن نسعى للحصول على جلود الخرفان أو الأبقار بأثمان مختلفة، كما بإمكاننا غسل ودباغة بعضها لتغدو بعد أيام قليلة أفرشة "هياضر" تقي من يفترشها بردا يشل الأوصال كلما أطل فصلا الخريف والشتاء"، كان لحسن يتحدث وهو يشير نحو أكوام من جلود الخرفان كانت مكدسة حول وداخل المحل الكائن عند ناصية الحي، بينما طفق أحد معاونيه يرشها بحبات ملح غليظة، درءا لانبعاث روائح عطنة منها بسبب الدماء المتخثرة عليها.

ويقتني لحسن جلود الأغنام بثمن لا يتجاوز عشرة دراهم، على أن يعمل فيما بعد إلى شحنها نحو مدينة فاس لإعادة بيعها من جديد إلى تجار الجلود هناك والذين يحيلونها بدورهم على دور الدباغة حيث تصبح بعد إزالة الصوف منها جلودا مدبوغة تفي بصناعة الأحذية والحقائب وغيرها من الأدوات الجلدية.

ولا يتجاوز هامش ربح لحسن خمسة دراهم في الرقعة الجلدية الواحدة، مشيرا إلى أن ما يجنيه من إعادة دبغ هذه الجلود بنفسه لتغدو "هياضر" يظل أكثر من ذلك.

وقد اعتاد بعض جيران لحسن في الحي، التعامل معه بمنحه جلود أضاحيهم من أجل هذا الغرض، مقابل مبلغ مالي محدد في 80 درهما، وكما يكلفهم الانتظار لمدة لا تقل عن 20 يوما تقريبا، لكن هذا يكلف لحسن مزيدا من الجهد والمعاونين الموسميين، لأنه والحال هذه يشد الرحال إلى شاطئ قرب مدينة الجديدة، لإعادة دبغ هذه الجلود حيث تتم الاستعانة هناك بماء البحر وعلب مصبرات أحدثت بها ثقوب بمسامير حتى تفي بعملية الدبغ مع تمشيط صوفها بواسطة "القرشال" حتى تصبح لينة الملمس.

وكما تجلب هذه المهنة الموسمية للحسن مالا بالكاد قال إنه يكفيه أياما قليلة بعد العيد، بسبب استعاضة الكثير من المتعاملين معه عن رغبتهم في الحصول على "الهيضورة" ببيعها إياه، مبديا امتعاضه إزاء هذا التغيير الطاريء على عادات المغاربة إزاء تعاملهم مع جلود الأضاحي، وهو يحيل إلى أن بعض الأسر أضحت لا تعير اهتماما لوجوب تواجد الصوف في المنزل، قائلا "الصوفة شريفة، وحتى واحد ما بقا كيهتم بيها كلشي ولا عند الناس لاواط والهيضورة ولات في خبر كان".

قرون تغدو تذكارات وحاملات مفاتيح

بخلاف لحسن، يتوسل شبان بعربات يجوبون بها الأزقة بحثا عن الجلود وحتى قرون الأكباش، نعم فهذه الأخيرة أصبحت مطلوبة من لدن هؤلاء، لأنها كفيلة بجلب أرباح مادية لهم تجعلهم يقلبون صناديق وأكوام النفايات بحثا عنها.

لكن فيم تستعمل هذه القرون؟ أحد من سألهم "الشروق الجديد"، نفى معرفته بالسبب الذي يجعل البعض يبحث عن القرون كمن يبحث عن ضالة غابت عن ناظريه، محيلا إلى أن المتداول هو أن القرون ظلت لمدة طويلة مصدرا أوليا لصناعة المشط الشهير المدعو بـ"الكرن" والذي أصبح في خبر كان بعد موجة التحضر التي أتت عليها من صالونات الحلاقة والتجميل.

بيد أن بوشعيب، الذي كان يقود عربة ويرج قنينة ملأى بالأحجار قرب أذن الحمار الذي يجر عربته مستحثا إياه على السير بخطى سريعة، قال إن السبب في البحث عن القرون هو مقابل 1 درهم واحد عن زوج منها، كان يقلب بيدين تتخللهما الشقوق صندوقا للنفاياتـ بحثا عن "متلاشيات" الخروف بمحاذاة سور دار الإذاعة بعين الشق، وهو يتحدث مشيرا إلى أنه يشتغل بمعية بعض أصدقائه القادمين من دوار "التقلية" الموغل في الهامشية في حواشي حي الأسرة بالدار البيضاء، فيجمعون القرون ثم يأتي أحد التجار فيقتنيها منهم جملة ويحملها على متن شاحنة تشد الرحال نحو وجهة يجهلونها.

وحسب بوشعيب فما يشترطه التاجر الذي يتعامل معهم هو توفر القرون على لبها وليس اللحاف الذي يلفها، لأنه يسخرها لصناعة تحف تذكارية وحاملات مفاتيح، تستنبط روعتها من "الرسومات" التي تتبدى عليها وتجعلها أشبه بالعاج، حيث بعد يمريرها من مراحل التجفيف والقطع والصقل، تكتب عليها آيات قرآنية وتخط عليها أسماء لتغدو هدايا تقدم كتذكارات للزيارة بعض المناطق والبلدات في مناطق مختلفة من لمغرب كسيدي حرازم ومولاي يعقوب في ضواحي مدينة فاس.

أمعاء وجلود لصنع "الطعريجة" و"الدربوكة"

رغم "كورونا" وشرط الحصول على نتائج اختبار السلامة من الفيروس التاجي، فإن عيد الأضحى مناسبة لا ترتبط في المغرب بالزمن، فالعيد لا ينتهي بانقضاء يوم النحر بل يمتد شاملا الأسبوع الذي يليه، لتطفو مهن موسمية، تجلب معها الربح لمزاوليها، فغالبا ما يصبح البعض جزارين يمتهنون الذبح والسلخ والتقطيع رغم بعدهم باقي أيام السنة عن السكاكين والسواطير التي لا تمت إليهم بصلة، أحدهم أكد أن هذا النشاط الموسمي يدر عليه مبلغا لا بأس به، محيلا إلى أنه كان يتقاضى مقابل ذبح الأضحية وسلخها ما بين 100 درهم و150 درهما، أما الآن فالسعر قد علا بالنظر إلى شرط اختبار "كوورنا" حسب الطلب، بينما تقطيع أوصال الأضاحي وجعلها في أكياس للحفظ فيكلف زبائنه أيضا حوالي 200 درهما.

الغريب أن المتحدث لا يمتلك محلا للجزارة يشفع له في هذا الأمر لذلك فإنه يقوم بهذه الخدمة في المنازل حيث يجوب الأزقة حاملا عدته الخاصة بالجزارة وكميات من الأكياس البلاستيكية البيضاء مطلقا العنان لحنجرته صادحا "كزار.. تقطاع الحولي والعجل".

وقد أفاد المتحدث الذي رفض الإفصاح عن اسمه، أنه غالبا ما يتقاضى أجره عن عملية التقطيع مقرونة بالأمعاء التي يطلبها من بعض الأسر التي لا تستهلكها مشيرا إلى أنه يستغلها في صناعة النقانق، التي يحفظها حتى مرور أسابيع بعد العيد ويعيد بيعها على عربة يمتلكها على مقربة من شارع محمد السادس التي يتخلل وسط الدار البيضاء.

وأحال المتحدث إلى أن البعض من أمثاله يحصلون على الأمعاء ليعيدوا بيعها إلى بعض الصناع الذين يستغلونها في صناعة "الدربوكة" و"طام طام" التي تعرض للبيع تزامنا مع مناسبة عاشوراء حيث تستعمل هذه الأمعاء كحبال قوية للشد بعدما تجفيفها.

آخر الأخبار