سيول آسفي المدمرة.. ناجون من الموت يحكون للجريدة 24 مأساة الأرواح وضياع الأرزاق
في ليلة موحشة لن تمحى من ذاكرة ساكنة آسفي، تحولت التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدها الإقليم، من مساء الأحد إلى الساعات الأولى من صباح الإثنين، إلى فيضانات جارفة خلفت حصيلة ثقيلة من الضحايا، بعدما لقي 37 شخصا مصرعهم، فيما لا يزال عشرات آخرون في عداد المفقودين، وسط مشاهد صادمة أعادت إلى الواجهة هشاشة البنية التحتية بالمدينة القديمة ومحيط وادي الشعبة.
https://youtu.be/uFLMAG5XdSk?si=UdAa_09B9C1DnB1X
ومع بداية الصباح، بدأت تتكشف فصول مأساة إنسانية غير مسبوقة، حيث غمرت السيول الأزقة والدروب الضيقة، واقتحمت المنازل والمحلات التجارية، وجرفت في طريقها كل ما اعترضها، مخلفة وراءها دمارا واسعا وصدمة عميقة في نفوس السكان، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة الموت دون سابق إنذار.
الجريدة 24 انتقلت إلى عين المكان، واستقت شهادات حية من ناجين ومتضررين، بعضهم وصف ما عاشه بأنه “عودة من الموت المحقق”.
أحد الناجين، وهو صاحب مقهى بالمدينة القديمة، أكد في تصريح للجريدة 24 أن السيول باغتتهم في لحظات، وقال: “كنا داخل المقهى حين بدأ منسوب المياه يرتفع بشكل مخيف، في دقائق معدودة وجدنا أنفسنا محاصرين من كل الجهات، ولم نعد نرى الأرض من تحتنا. أيقنت حينها أن النهاية قريبة”.
وأضاف المتحدث، بنبرة يختلط فيها الذهول بالألم، أن محاولة الفرار تحولت إلى مغامرة خطيرة، موضحا: “أثناء محاولتي الخروج، كادت السيول أن تجرفني وأصبح في عداد الموتى والمفقودين، لولا تدخل بعض الشبان الذين خاطروا بحياتهم ومدوا لي يد العون وانتشلوني من التيار الجارف”.
وفي شهادات أخرى متفرقة، تحدث مواطنون عن لحظات رعب عاشوها بالقرب من مجرى وادي الشعبة، حيث فاض الوادي بشكل غير مسبوق، واجتاحت المياه أحياء بأكملها. أحد السكان، البالغ من العمر 45 سنة، صرح للجريدة 24 قائلا: “هذه أول مرة أشاهد مثل هذا المشهد في حياتي. لم نعتد قط على رؤية المياه بهذا العنف. حتى كبار السن يؤكدون أن ما وقع هذه المرة يفوق كل ما عرفته المدينة منذ عقود”.
وأوضح متحدث آخر أن أبواب “المريسة” أغلقت بفعل قوة المياه، وهو أمر لم يسبق أن شهده السكان، مضيفا بأسى: “الوفيات كثيرة، ولا يزال الناس يُنتشلون من تحت الأنقاض، ولم يأت أحد لإنقاذنا في تلك اللحظات الحرجة. قضينا ساعات طويلة محاصرين، لا نعرف إلى أين نذهب”.
ولم تقتصر الخسائر على الأرواح فقط، بل طالت مصادر رزق عشرات الأسر. عدد من التجار بالمدينة القديمة تحدثوا للجريدة 24 عن دمار محلاتهم وضياع سلعهم، مؤكدين أن السيول أتلفت كل شيء.
أحدهم قال بحرقة: “كنت أتوفر على محل تجاري أعيل به أسرتي. خلال دقائق دخلت المياه وابتلعت كل شيء. لدينا التزامات وقروض، ولا نعرف كيف سنواجه الغد”.
وفي مشهد يعكس حجم الفاجعة، روى مواطن سبعيني أنه شارك بيديه في انتشال جثامين أصدقاء وجيران، مؤكدا أن ما عاشه يفوق الوصف.
وقال: “أنا في عمري فوق السبعين، ولم أرَ كارثة بهذا الحجم من قبل. فقدنا أناسا طيبين، جيران وأصدقاء، بعضهم ضحى بحياته وهو يحاول إنقاذ الآخرين”.
وأجمع عدد من المتضررين، في تصريحاتهم للجريدة 24، على أن المدينة القديمة لم تحظ بالعناية اللازمة، معتبرين أن الإهمال وتوقف بعض مشاريع الإصلاح ساهم في تفاقم حجم الكارثة.
وأكدوا أن قنوات تصريف المياه لم تصمد أمام قوة السيول، فيما أشار آخرون إلى أن بعض المنافذ المائية كانت مغلقة، ما أدى إلى توجيه المياه مباشرة نحو الأحياء السكنية.
وبينما تتواصل عمليات البحث عن المفقودين، وتعمل السلطات المحلية وفرق الوقاية المدنية على إزالة الأنقاض وتقديم المساعدات الأولية، تعيش آسفي على وقع حزن عميق وحداد جماعي، في انتظار إجابات واضحة حول أسباب ما حدث، ومسؤولية الجهات المعنية، وكذا الإجراءات الكفيلة بتفادي تكرار مثل هذه المآسي مستقبلا.