ضغط نهاية الولاية يعجل بتأهيل وجه الدار البيضاء.. هل تنجح في إنهاء سنوات الفوضى؟

الكاتب : انس شريد

16 يوليو 2026 - 08:30
الخط :

تعيش مدينة الدار البيضاء خلال الأشهر الأخيرة على وقع حراك متواصل لإعادة ترتيب مشهدها الحضري، في وقت تزداد فيه الضغوط على المجلس الجماعي مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية، وسط رهان كبير على تحسين الصورة البصرية للعاصمة الاقتصادية واستعادة جزء من هويتها العمرانية التي طالما ميزتها عن باقي المدن المغربية.

وتتصدر ملفات تأهيل الفضاءات العامة، وإعادة صباغة الواجهات، والحفاظ على الطابع المعماري للمدينة أولويات المرحلة، في ظل مطالب متزايدة من الساكنة بإنهاء مظاهر الفوضى التي تراكمت على امتداد سنوات.

وباتت مسألة استرجاع اللون الأبيض الذي ارتبط تاريخيا بصورة الدار البيضاء تتجاوز بعدها الجمالي، لتتحول إلى ورش حضري يروم إعادة الاعتبار لهوية المدينة وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والسياحية، خاصة وأن العاصمة الاقتصادية تستعد لاستحقاقات وطنية ودولية كبرى تتطلب واجهة حضرية أكثر تنظيما وانسجاما مع مكانتها باعتبارها القلب الاقتصادي للمملكة.

وفي هذا الإطار، وضعت نبيلة الرميلي، رئيسة المجلس الجماعي للدار البيضاء، ملف تأهيل واجهات المباني ضمن أولويات عمل الجماعة، من خلال إطلاق برنامج يستهدف إعادة صباغة عدد كبير من البنايات، خاصة القديمة منها، بما ينسجم مع الهوية البصرية التي اشتهرت بها المدينة لعقود طويلة، وذلك ضمن رؤية تروم تحسين جودة الفضاء الحضري وإعادة الاعتبار للمشهد العمراني.

ورغم انطلاق هذا الورش، فإن تنزيله على أرض الواقع ما يزال يصطدم بعدد من الإكراهات المرتبطة بتفاوت أوضاع البنايات بين مختلف المقاطعات، إذ لا تزال واجهات عديدة، خاصة داخل الأحياء القديمة والشعبية، تعاني من الإهمال والتدهور، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على المظهر العام للمدينة ويؤثر على صورتها لدى السكان والزوار.

ووفقا لمعطيات حصلت عليها الجريدة 24 من مصادرها، فإن التنظيمات الجاري بها العمل داخل الدار البيضاء تلزم ملاك العمارات والبنايات بإعادة طلاء واجهاتها مرة كل خمس سنوات، أو كلما استدعت الضرورة ذلك، مع احترام دفتر تحملات يحدد الألوان المعتمدة حفاظا على الانسجام البصري للمدينة.

وتؤكد المصادر ذاتها، أن اللون الأبيض يبقى اللون الأساسي والإجباري لواجهات العمارات والبنايات السكنية والصناعية والتجارية، فيما يعتمد اللون الرمادي الفاتح أو البني الفاتح بالنسبة للأبواب والنوافذ الحديدية والخشبية، بينما تخصص الألوان الفضية للأبواب والنوافذ المصنوعة من الألومنيوم، في إطار تصور يرمي إلى توحيد المظهر الخارجي للبنايات.

ولتسريع هذا الأمر، أطلقت شركة الدار البيضاء للتهيئة، حسب مصادر الجريدة 24، بدورها مشروعا جديدا لإعادة تأهيل واجهات المباني باستثمار مالي يصل إلى 15 مليون درهم، في خطوة تروم تسريع وتيرة تحسين المشهد الحضري بالعاصمة الاقتصادية، وذلك عبر برنامج موزع على ثلاثة أشطر تنفيذية.

وحسب المعطيات نفسها، فقد أسندت أشغال المشروع إلى ثلاث شركات، على أن يتم إنجاز مختلف التدخلات داخل أجل لا يتجاوز ثمانية أشهر، بما يسمح بإعادة تأهيل عدد مهم من الواجهات التي أصبحت في حاجة إلى الصيانة وإعادة الصباغة.

ويأتي هذا الورش في سياق تفعيل المقتضيات التنظيمية التي اعتمدها مجلس جماعة الدار البيضاء، والتي تلزم المالكين بإعادة تنظيف وصباغة واجهات بناياتهم بشكل دوري، مع اعتماد مسطرة قانونية تبدأ بإشعار المخالفين ومنحهم مهلة شهر لإنجاز الأشغال، تليها مهلة إضافية مدتها خمسة عشر يوما في حالة عدم الامتثال، قبل أن تتدخل الجماعة لإنجاز الأشغال على نفقة المالكين.

ويشمل هذا الإجراء مختلف أصناف البنايات، سواء تعلق الأمر بالعمارات السكنية أو المنازل الفردية أو المحلات التجارية أو المنشآت الصناعية، مع الحرص على احترام الهوية اللونية التي تسعى المدينة إلى ترسيخها ضمن مشروعها الجديد لإعادة تنظيم الفضاء الحضري.

وأثار هذا الورش نقاشا واسعا داخل الأوساط المدنية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر عدد من الفاعلين أن نجاح المبادرة يظل رهينا بتفعيل دور الشرطة الإدارية بشكل أكثر صرامة، من خلال إحصاء البنايات المهملة ومتابعة مدى احترام الملاك للمقتضيات القانونية المتعلقة بصيانة الواجهات.

وفي موازاة ذلك، وجهت نبيلة الرميلي تعليمات إلى رؤساء المقاطعات من أجل تفعيل تدخلات الشرطة الإدارية ومواكبة تنفيذ مقتضيات صباغة الواجهات، مع تكثيف عمليات المراقبة الميدانية لضمان احترام الضوابط القانونية، وتسريع وتيرة معالجة الملفات العالقة قبل انتهاء الولاية الحالية.

وتشير المعطيات التي استقتها الجريدة 24 إلى أن نتائج هذا الورش تختلف من مقاطعة إلى أخرى، حيث سجلت مناطق مثل المعاريف وسيدي بليوط وعين الشق والصخور السوداء تجاوبا أكبر من طرف عدد من الملاك الذين باشروا إعادة تأهيل واجهات بناياتهم، بينما لا تزال أحياء أخرى تعرف وتيرة أبطأ بسبب الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية.

وبالتوازي مع هذه التدخلات، تواصل جماعة الدار البيضاء تنفيذ مشاريع أخرى للحفاظ على الإرث المعماري، وفي مقدمتها برنامج ترميم وإعادة تأهيل المباني التاريخية الممتدة على طول شارع محمد الخامس، باعتباره أحد أبرز الشوارع التي تختزل الذاكرة المعمارية للعاصمة الاقتصادية.

ويروم هذا المشروع إعادة الاعتبار للواجهات التاريخية وإحياء قيمتها الجمالية، بما يعزز مكانة المدينة كفضاء يجمع بين الحداثة والمحافظة على التراث، ويمنح الزوار والسكان مشهدا حضريا أكثر انسجاما مع تاريخ الدار البيضاء.

كما تضع جماعة الدار البيضاء اللمسات الأخيرة على دفتر تحملات جديد يهم توحيد تصميم تراسات المقاهي والمطاعم، وفق معايير موحدة ترمي إلى الحد من الفوضى البصرية التي تعرفها بعض الشوارع، وضمان انسجام أكبر بين مختلف الفضاءات التجارية والمشهد العمراني العام.

وتفيد مصادر الجريدة 24 بأن المجلس الجماعي يدرس أيضا اعتماد مقتضيات تنظيمية جديدة تتعلق بالمظهر الخارجي للبنايات، من بينها تنظيم وضع الصحون اللاقطة فوق الواجهات والشرفات، والحد من بعض المظاهر التي تشوه الصورة البصرية للأحياء، في إطار رؤية أشمل تستهدف الارتقاء بجودة الفضاء الحضري.

وبين مشاريع إعادة تأهيل الواجهات، وتفعيل المراقبة، والحفاظ على التراث المعماري، تبدو الدار البيضاء أمام مرحلة مفصلية عنوانها إعادة رسم صورتها العمرانية قبل إسدال الستار على الولاية الانتخابية الحالية.

آخر الأخبار