المغرب في قلب التنافس العالمي.. الاستثمارات الصينية تثير قلق أوروبا
يشهد الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة أعادت رسم خريطة مراكز الإنتاج والاستثمار، في ظل احتدام المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى على سلاسل التوريد والأسواق الاستراتيجية.
وفي خضم هذه المتغيرات، برز المغرب باعتباره أحد أبرز الوجهات الصناعية والاستثمارية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، مستفيداً من موقعه الجغرافي، وشبكة اتفاقياته التجارية، والبنيات التحتية التي راكمها خلال السنوات الماضية، ما جعله نقطة تقاطع لمصالح اقتصادية متزايدة بين الاتحاد الأوروبي والصين.
وباتت المملكة تستقطب استثمارات أجنبية نوعية في قطاعات استراتيجية، خاصة صناعة السيارات والبطاريات ومكونات المركبات الكهربائية، وهو ما عزز مكانتها داخل سلاسل القيمة العالمية، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على الصناعات المرتبطة بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا الحديثة.
ووفقا لما تطرقت إليه تقارير إعلامية إسبانية، فإن تنامي الحضور الصناعي الصيني داخل المغرب بدأ يثير نقاشا واسعا داخل الأوساط الاقتصادية الأوروبية، وسط مخاوف متزايدة من انعكاسات هذه الاستثمارات على تنافسية الصناعة الأوروبية، خاصة في قطاع السيارات الكهربائية الذي يشهد سباقاً عالمياً محتدماً.
وأشارت التقارير الإسبانية إلى أن الشركات الصينية ضخت، منذ جائحة كوفيد-19، استثمارات تقدر بحوالي 6 مليارات دولار في مشاريع صناعية داخل المغرب، تركزت أساساً في المحور الممتد بين طنجة والقنيطرة، حيث يجري تطوير منظومة صناعية متكاملة تضم مصانع لمكونات السيارات، وأنظمة المكابح، والإطارات، والمواد الأولية الخاصة ببطاريات الليثيوم، إلى جانب مشاريع كبرى لإنتاج خلايا البطاريات.
وأضافت المصادر ذاتها أن هذه الدينامية الاستثمارية تعززت مع إطلاق مشاريع صناعية ضخمة، من بينها مصنع عملاق لشركة Gotion High-Tech، فضلاً عن مواصلة تطوير مدينة محمد السادس طنجة تيك، التي أصبحت واحدة من أبرز المنصات الصناعية الموجهة لاستقطاب الاستثمارات الآسيوية، خصوصاً الصينية، في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، فإن هذا التوسع الصيني داخل المغرب أثار قلقاً متزايداً في بروكسيل، في ظل تخوف المؤسسات الأوروبية من أن تتحول المملكة إلى منصة صناعية وتجارية متقدمة تسمح للشركات الصينية بتعزيز حضورها داخل السوق الأوروبية في ظل القيود التجارية الجديدة.
وتأتي هذه المخاوف بعد قرار الاتحاد الأوروبي فرض رسوم جمركية قد تصل إلى 45 في المائة على السيارات الكهربائية المصنعة مباشرة في الصين، في إطار سياسة تهدف إلى حماية الصناعة الأوروبية من المنتجات التي تعتبرها بروكسيل مستفيدة من دعم حكومي يؤثر على قواعد المنافسة.
وفي هذا السياق، أكدت تقارير إعلامية إسبانية أن عدداً من المسؤولين الأوروبيين باتوا يراقبون عن كثب تطور الاستثمارات الصينية بالمغرب، معتبرين أن انتقال جزء من مراحل التصنيع إلى الأراضي المغربية قد يتيح لبعض المنتجات الاستفادة من الامتيازات التجارية التي تمنحها اتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وهو ما يطرح، وفق القراءة الأوروبية، تحديات جديدة أمام السياسة التجارية الأوروبية.
كما أبرزت التقارير أن بروكسيل تواجه معضلة تنظيمية معقدة، إذ إن أي إجراءات تستهدف المنتجات المصنعة في المغرب قد تنعكس بشكل مباشر على شركات أوروبية كبرى تعتمد على قواعدها الصناعية بالمملكة، وفي مقدمتها Renault وStellantis، اللتان تمتلكان مصانع إنتاج وتجميع ضخمة داخل المغرب وتعتمدان على شبكة واسعة من الموردين المحليين.
وترى الأوساط الاقتصادية الأوروبية، وفقا للتقارير المتداولة، أن تشديد القيود على المنتجات القادمة من المغرب قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بالنسبة للمصنعين الأوروبيين أنفسهم، ويؤثر في تنافسيتهم داخل الأسواق العالمية، وهو ما يجعل التعامل مع هذا الملف أكثر تعقيداً بالنسبة للمفوضية الأوروبية.
وفي المقابل، يواصل المغرب تعزيز موقعه كمركز صناعي إقليمي، مستفيداً من موقعه الجغرافي القريب من أوروبا، وشبكة الموانئ الحديثة، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، فضلاً عن اتفاقيات التبادل الحر التي تربطه بعدد من الشركاء الاقتصاديين، وهو ما جعله وجهة مفضلة للمستثمرين الباحثين عن منصات إنتاج قريبة من الأسواق الأوروبية والإفريقية.
ووفقا للتقارير ذاتها، فإن عدداً من الشركات الصينية بات ينظر إلى المغرب باعتباره قاعدة استراتيجية لتطوير صناعات المستقبل، خاصة المرتبطة بالسيارات الكهربائية والبطاريات، في ظل توفر بيئة صناعية متطورة، وكفاءات بشرية مؤهلة، واستقرار مؤسساتي يشجع على الاستثمار طويل الأمد.
وفي هذا الإطار، أشارت التقارير إلى أن مسؤولين بشركات صينية أكدوا أن التعاون الثلاثي بين المستثمرين الصينيين والمغاربة والأوروبيين يمكن أن يحقق مكاسب مشتركة، من خلال بناء سلاسل توريد أكثر قرباً من الأسواق الأوروبية، مع الحفاظ على أسعار تنافسية وتعزيز مرونة الإنتاج.
وبين الطموحات الصناعية المغربية، والاستثمارات الصينية المتنامية، والهواجس الأوروبية المرتبطة بحماية صناعاتها، يبدو أن المملكة أصبحت رقما أساسيا في معادلة الاقتصاد العالمي الجديد، حيث لم تعد مجرد سوق للاستثمار، بل تحولت إلى منصة إنتاج استراتيجية تستقطب كبريات الشركات الدولية.