بين المضاربة الصيفية ووعود الوزارة.. هل يخسر المغاربة حقهم في السياحة الداخلية؟

الكاتب : انس شريد

18 يوليو 2026 - 09:30
الخط :

بين وعود تطوير القطاع وموجة الغلاء الموسمية، يعود ملف السياحة الداخلية إلى واجهة النقاش العمومي مع كل موسم صيف، في ظل شكاوى متزايدة من الارتفاع الكبير في أسعار الإيواء والخدمات السياحية، وما يرافق ذلك من مطالب بإقرار توازن حقيقي بين تنشيط الاستثمار السياحي وضمان حق الأسر المغربية في الاستفادة من المؤهلات الطبيعية والسياحية التي تزخر بها مختلف جهات المملكة بأسعار تتناسب مع قدرتها الشرائية.

ومع توافد  الأسر على المدن الساحلية والوجهات السياحية خلال العطلة الصيفية، تتكرر الانتقادات المرتبطة بما يعتبره مستهلكون موجة من المضاربة الموسمية التي تطال أسعار الفنادق والشقق المفروشة والمطاعم والمقاهي، فضلاً عن استغلال بعض الفضاءات العمومية بالشواطئ، الأمر الذي يحول، بحسب عدد من المتتبعين، العطلة الصيفية من مناسبة للراحة والاستجمام إلى عبء مالي يثقل كاهل العديد من الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود والمتوسط.

وتشير معطيات متداولة داخل القطاع إلى أن أسعار الإقامة ببعض الفنادق خلال ذروة الموسم الصيفي تتراوح ما بين 1000 و5000 درهم لليلة الواحدة، بينما تتراوح أسعار كراء عدد من الشقق المفروشة بين 300 و1000 درهم بحسب المدينة وفترة الحجز، في حين تعرف خدمات أخرى ارتفاعات مماثلة، من بينها كراء المظلات بالشواطئ الذي يصل في بعض الحالات إلى 40 درهماً للمظلة الواحدة، وسط مطالب بوضع حد لاستغلال الملك العمومي وضمان الولوج الحر إلى الفضاءات الشاطئية.

ويثير تكرار هذه المظاهر كل صيف، تساؤلات بشأن فعالية آليات المراقبة ومدى احترام مقتضيات القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، خاصة خلال فترات الذروة التي تعرف ارتفاعاً كبيراً في الطلب على الخدمات السياحية، وهو ما يفتح الباب، وفق عدد من جمعيات حماية المستهلك، أمام ممارسات استغلالية تؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.

وفي خضم هذا الجدل، دخل البرلمان على خط النقاش، بعدما وجهت عضو الفريق النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة، حنان أتركين، سؤالا كتابيا إلى وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، دعت من خلاله إلى مراجعة تدبير السياحة الداخلية وفق مقاربة تحقق الإنصاف السعري، بما يمكن الأسر المغربية من الاستفادة من الوجهات السياحية الوطنية في ظروف ملائمة وأسعار معقولة.

وأبرزت النائبة البرلمانية أن السياحة الداخلية لا تمثل فقط رافعة لتنشيط الاقتصاد الوطني، وإنما تشكل أيضاً وسيلة لتعزيز ارتباط المواطنين بالمؤهلات الطبيعية والثقافية التي تزخر بها مختلف مناطق المملكة، معتبرة أن استمرار ارتفاع الأسعار خلال المواسم السياحية يقلص من فرص استفادة شريحة واسعة من المغاربة من هذا الرصيد الوطني.

وسجلت أتركين أن عددا من الأسر يجد نفسه، مع حلول كل موسم اصطياف، أمام أسعار للإيواء والخدمات تتجاوز إمكانياته المالية، مشيرة إلى أن بعض العروض الموجهة للمواطنين المغاربة تكون، في حالات معينة، أعلى من تلك المخصصة للسياح الأجانب، وهو ما يطرح، بحسبها، إشكالات تتعلق بمبدأ الإنصاف في الولوج إلى المنتوج السياحي الوطني.

ودعت النائبة البرلمانية الحكومة إلى الكشف عن الإجراءات التي تعتزم اتخاذها لضبط السوق السياحية خلال المواسم التي تعرف إقبالاً كبيراً، متسائلة عن إمكانية اعتماد آليات لتنظيم أسعار خدمات الإيواء والخدمات السياحية، بما يضمن تحقيق توازن بين مصالح المستثمرين والمهنيين من جهة، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين من جهة أخرى.

كما طالبت بتشجيع المؤسسات السياحية على إطلاق عروض تفضيلية موجهة للأسر المغربية، بما يسهم في تعزيز الإقبال على السياحة الداخلية، وتنشيط الحركة الاقتصادية، وترسيخ مبدأ العدالة في الاستفادة من المؤهلات السياحية الوطنية، انسجاماً مع أهداف التنمية السياحية التي تضع المواطن في صلب السياسات العمومية.

ويأتي هذا النقاش في وقت رفعت فيه وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني من وتيرة إجراءاتها الرامية إلى تحسين جودة الخدمات السياحية، عبر إطلاق برنامج ميداني جديد يعتمد آلية "الزبون السري" لتقييم مستوى الخدمات المقدمة داخل مؤسسات الإيواء السياحي، بالتزامن مع الارتفاع الكبير في الإقبال على مختلف الوجهات السياحية خلال الموسم الصيفي.

ويهدف هذا البرنامج، الذي انطلق تنفيذه منذ شهر ماي الماضي، إلى إخضاع نحو 2500 مؤسسة للإيواء السياحي المصنف لزيارات سرية، تمكن من تقييم جودة الخدمات في ظروف تحاكي التجربة الحقيقية للنزيل، بعيداً عن أساليب المراقبة التقليدية التي تركز غالباً على الجوانب الإدارية أو التقنية.

وترتكز هذه الآلية على تقييم جودة الاستقبال، ومستوى النظافة، والخدمات الفندقية، ومدى احترام معايير التصنيف السياحي، بما يسمح برصد الاختلالات بشكل أكثر دقة، واتخاذ التدابير اللازمة لتحسين جودة العرض السياحي الوطني وتعزيز تنافسيته على المستويين الداخلي والدولي.

وفي المقابل، يرى عدد من مهنيي القطاع أن الارتفاع الذي تعرفه الأسعار خلال موسم الصيف يرتبط بعوامل موضوعية، من بينها زيادة تكاليف التشغيل، وارتفاع أسعار الطاقة والنقل والمواد الأولية والأجور، معتبرين أن الحفاظ على جودة الخدمات وتحسينها يفرض استثمارات إضافية، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على كلفة الإقامة والخدمات المقدمة.

غير أن جمعيات حماية المستهلك تؤكد أن هذه المبررات لا يمكن أن تبرر كل الزيادات المسجلة، مطالبة بتكثيف عمليات المراقبة والتصدي لمظاهر المضاربة والاستغلال التي تتكرر مع كل موسم اصطياف، إلى جانب تعزيز آليات مراقبة الأسعار وجودة الخدمات، بما يحفظ حقوق المستهلكين ويصون صورة الوجهة السياحية المغربية.

آخر الأخبار