العلاقات المغربية الإسبانية بعد أحداث سبتة: من أزمة الثقة إلى شراكة استراتيجية غير مكتملة

الكاتب : الجريدة24

17 August 2026 - 10:20
الخط :

وليد المنسي

تُعد العلاقات المغربية الإسبانية من أكثر العلاقات تعقيداً وحساسية في منطقة غرب المتوسط، ليس فقط بسبب الجوار الجغرافي، وإنما أيضاً بفعل تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية والإنسانية والتاريخية والسياسية بين البلدين. فالمغرب وإسبانيا لا تجمعهما حدود برية وبحرية فحسب، بل تجمعهما أيضاً مصالح متبادلة تجعل استقرار العلاقة بينهما ضرورة تتجاوز الحسابات الظرفية.

وقد كشفت أحداث مدينة سبتة في ماي2021 عن هشاشة التوازن الذي حكم العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات السابقة. فقد تحولت الأزمة الدبلوماسية، التي ارتبطت أساساً باستقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، إلى أزمة حدودية وإنسانية غير مسبوقة، بعدما دخل آلاف الأشخاص إلى سبتة. وأظهرت تلك الأحداث أن الخلافات السياسية بين الرباط ومدريد يمكن أن تمتد بسرعة إلى ملفات الهجرة والحدود والأمن.

من وجهة نظر مغربية، لا يمكن فهم أزمة سبتة بمعزل عن السياق الأوسع للعلاقات بين البلدين. فالمغرب كان ينظر إلى الموقف الإسباني من قضية الصحراء باعتبارها إحدى القضايا الأساسية التي تؤثر في مستوى الثقة السياسية بين الرباط ومدريد. ولذلك فإن الأزمة لم تكن مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل كانت تعبيراً عن تراكمات مرتبطة بالثقة والاحترام المتبادل وبكيفية إدارة الملفات الحساسة بين دولتين جارتين.

غير أن الأزمة نفسها ساهمت في إعادة تعريف أهمية العلاقة المغربية الإسبانية. فقد أدرك الطرفان أن القطيعة أو التوتر المستمر لا يخدم مصالح أي منهما. فإسبانيا تحتاج إلى المغرب في ملفات متعددة، خصوصاً مكافحة الهجرة غير النظامية ومحاربة الإرهاب والتعاون الاقتصادي والأمني، بينما يمثل المغرب بالنسبة إلى إسبانيا بوابة استراتيجية نحو إفريقيا وشريكاً أساسياً في منطقة المتوسط. وقد وصف الجانب الإسباني المغرب لاحقاً بأنه شريك استراتيجي، مؤكداً أن الترابط بين البلدين أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله.

وقد شكل مارس وأبريل 2022 نقطة تحول أساسية في مسار العلاقات الثنائية. ففي مارس 2022 أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز دعمه للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساساً أكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية نزاع الصحراء المغربية. ثم جاءت زيارة سانشيز إلى الرباط في 7 أبريل 2022 لتعلن رسمياً عن بداية "مرحلة جديدة" في العلاقات بين البلدين.

ومن منظور مغربي، كان هذا التحول الإسباني مهماً لأنه أنهى مرحلة طويلة من الغموض النسبي في الموقف الإسباني تجاه قضية الصحراء المغربية. كما أنه أكد أن المغرب استطاع تحويل أحد أبرز ملفات الخلاف مع إسبانيا إلى عنصر أساسي في إعادة بناء العلاقة الثنائية. غير أن هذا التحول لا ينبغي فهمه باعتباره نهاية الخلافات، بل باعتباره انتقالاً من منطق الأزمة إلى منطق إدارة الخلاف داخل إطار أكثر استقراراً.

وقد قامت المرحلة الجديدة على مبادئ أعلنها الطرفان بوضوح: الشفافية، والتواصل الدائم، والاحترام المتبادل، والوفاء بالالتزامات والاتفاقيات الموقعة، وتجنب الإجراءات الأحادية الجانب. كما تضمنت خارطة الطريق استعادة حركة الأشخاص والبضائع بشكل تدريجي ومنظم، وتعزيز التعاون في مجالات الهجرة والاقتصاد والبنية التحتية والتعليم والثقافة والرياضة.

وهنا تظهر أهمية ملف سبتة ومليلية. فمن وجهة النظر المغربية، لا يمكن اختزال العلاقة مع إسبانيا في التعاون الاقتصادي أو الأمني فقط، لأن قضية المدينتين تظل حاضرة في الوعي السياسي والتاريخي المغربي. وفي المقابل، تعتبر إسبانيا سبتة ومليلية جزءاً من ترابها، وهو ما يجعل هذا الملف من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الثنائية. ولذلك فإن الحكمة السياسية تقتضي عدم تحويل هذا الاختلاف إلى مصدر دائم للتوتر، بل إدراجه ضمن حوار استراتيجي طويل الأمد يقوم على الواقعية وتجنب التصعيد.

إن التجربة التي بدأت بأزمة سبتة سنة 2021 تؤكد أن العلاقة المغربية الإسبانية لا يمكن أن تُبنى على ردود الفعل الظرفية. فالجغرافيا تفرض التعاون، والاقتصاد يعمق الاعتماد المتبادل، والهجرة تجعل التنسيق الأمني ضرورة، بينما تفرض قضايا الصحراء وسبتة ومليلية استمرار الحوار السياسي.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن التحول الذي عرفته العلاقات منذ 2022 يمثل مكسباً مهماً للمغرب، لأنه نقل العلاقة من مرحلة كان فيها الموقف الإسباني من بعض القضايا الاستراتيجية يثير تحفظات مغربية، إلى مرحلة أصبح فيها الحوار السياسي أكثر وضوحاً، خصوصاً في ما يتعلق بالصحراء المغربية. غير أن الحفاظ على هذا المسار يتطلب من المغرب وإسبانيا إدارة الخلافات المتبقية بواقعية، وعدم السماح لأي ملف منفرد بإعادة إنتاج أزمات شبيهة بأزمة 2021.

كما أن التطورات الأخيرة في سبتة خلال يوليو 2026 تذكرنا بأن المصالحة الدبلوماسية لا تعني اختفاء الملفات الخلافية. فقد أعادت الأحداث الحدودية الأخيرة ملف سبتة إلى واجهة النقاش، كما أعادت مسألة السيادة على المدينتين إلى الخطاب السياسي. وهذا يؤكد أن العلاقة بين الرباط ومدريد، رغم تطورها، لا تزال تحمل عناصر توتر بنيوية تحتاج إلى معالجة سياسية هادئة وطويلة الأمد.

وفي تقديري، فإن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية لن يكون قائماً على إلغاء الخلافات، وإنما على القدرة على إدارتها. فالدول لا تحتاج دائماً إلى الاتفاق حول كل القضايا حتى تكون شريكة، وإنما تحتاج إلى قواعد واضحة تمنع الخلاف من التحول إلى أزمة. وهذا هو الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من أحداث سبتة: عندما غابت الثقة والتواصل، تحولت الخلافات السياسية إلى أزمة حدودية؛ وعندما عاد الحوار، استطاع الطرفان بناء مرحلة جديدة من التعاون.

ومن منظوري  كمغربي، فإن المصلحة الوطنية تقتضي الحفاظ على علاقة قوية ومتوازنة مع إسبانيا، دون التخلي عن الملفات التي يعتبرها المغرب إستراتيجية. كما أن المصلحة الإسبانية تقتضي الاعتراف بأن المغرب لم يعد مجرد جار جنوبي، بل أصبح فاعلاً إقليمياً أساسياً وشريكاً لا يمكن تجاوز دوره في غرب المتوسط وإفريقيا.

وبالتالي، فإن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية سيكون مرتبطاً بقدرة الطرفين على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق الشراكة الإستراتيجية، ومن ردود الفعل إلى الحوار المؤسساتي، ومن الخلافات الظرفية إلى رؤية بعيدة المدى.

إن أحداث سبتة لم تكن مجرد أزمة حدودية، بل كانت لحظة كشفت حقيقة العلاقة بين المغرب وإسبانيا: علاقة تقوم في الوقت نفسه على التعاون والتنافس، وعلى التقارب والاختلاف، وعلى المصالح المشتركة والملفات التاريخية العالقة. ولذلك فإن نجاح المرحلة الجديدة لن يقاس بغياب الخلافات، وإنما بقدرة البلدين على منع الخلاف من التحول مرة أخرى إلى أزمة.

*أستاذ وباحث في سلك الدكتوراه، متخصص في العلاقات المغربية–الإسبانية، مع اهتمام خاص بتطور العلاقات السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية بين الرباط ومدريد وقضايا الجوار المغربي–الإسباني.

آخر الأخبار