تفاوتات بين الأحزاب.. هل تحولت المناصفة إلى مجرد شعار انتخابي؟
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، دخلت الأحزاب السياسية المغربية مرحلة الحملات الانتخابية، وسط تصاعد النقاش حول حجم حضور النساء في مواقع المنافسة الفعلية، ولا سيما على رأس اللوائح المحلية التي تشكل إحدى أبرز واجهات التنافس على المقاعد البرلمانية.
وأعادت المعطيات المرتبطة بالترشيحات إلى الواجهة سؤال تمثيلية النساء داخل المشهد الانتخابي، بعدما أظهرت الأرقام الرسمية أن حضورهن في قيادة اللوائح المحلية لا يزال محدوداً مقارنة بحجم المشاركة النسائية في الحياة السياسية، وهو ما فتح نقاشاً واسعاً بشأن مدى انتقال الخطاب الحزبي حول المساواة والمناصفة من مستوى الالتزام السياسي إلى مستوى الممارسة الفعلية عند اتخاذ قرارات التزكية.
وكشفت أرقام وزارة الداخلية، المعلن عنها بالتزامن مع انطلاق الحملة الانتخابية، أن النساء لا يقدن سوى 121 لائحة محلية من أصل 1615 لائحة، أي ما يمثل حوالي 7.5 في المائة فقط من مجموع اللوائح المحلية.
وفي المقابل، يبرز الحضور النسائي بشكل أكبر ضمن اللوائح الجهوية المخصصة حصراً للنساء، والتي بلغ عددها 235 لائحة، بما يعكس استمرار اعتماد جزء مهم من التمثيلية النسائية على الآليات الانتخابية الخاصة بدل توسيع حضور النساء داخل مواقع المنافسة المحلية المباشرة.
وتأتي هذه الأرقام في وقت كانت فيه الأحزاب السياسية قد شرعت في الإعلان تدريجياً عن مرشحيها ومرشحاتها، مع تركيز واضح على اختيار أسماء تعتبرها قادرة على خوض المنافسة الانتخابية وتحقيق نتائج تمكنها من انتزاع المقاعد البرلمانية. غير أن هذا المنطق الانتخابي أعاد طرح إشكالية حضور النساء في الدوائر المحلية، بعدما ظل الرجال يحتفظون بالحصة الأكبر من مواقع قيادة اللوائح في عدد كبير من المناطق.
وتظهر المعطيات المعلنة تفاوتاً بين الأحزاب في عدد النساء اللواتي جرى اختيارهن لقيادة اللوائح المحلية. فقد منح حزب الأصالة والمعاصرة التزكية لسبع نساء لقيادة لوائح محلية، من بينهن نجوى كوكوس، رئيسة المجلس الوطني للحزب، إلى جانب إيمان لماوي وحنان الباسي وزينب السيمو وبشرى الوردي.
فيما اختار حزب العدالة والتنمية أربع نساء لقيادة لوائح محلية، وهو العدد نفسه الذي اعتمده حزب التجمع الوطني للأحرار.
أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد رشح خمس نساء لقيادة لوائح انتخابية من أصل 80 دائرة، بينما منح حزب التقدم والاشتراكية التزكية لست مرشحات.
واعتمد تحالف اليسار بدوره ست نساء على رأس عدد من لوائحه المحلية، في حين جاء حزب الاستقلال بعدد محدود للغاية، بعدما اختار مرشحة واحدة فقط هي ماديحة خيير، الكاتبة العامة بأكاديمية محمد السادس الدولية للطيران المدني، لخوض الانتخابات بإقليم بني ملال.
ورغم اختلاف الأرقام بين التنظيمات السياسية، فإن محدودية الحضور النسائي في صدارة اللوائح المحلية ظلت القاسم المشترك الأبرز، وهو ما دفع فعاليات حقوقية ونسائية إلى إعادة مساءلة الأحزاب حول طبيعة الاختيارات التي تعتمدها عند توزيع التزكيات، ومدى انسجام تلك الاختيارات مع المبادئ الدستورية المرتبطة بالمساواة والسعي إلى تحقيق المناصفة.
وتعتبر الهيئات المدافعة عن المشاركة السياسية للنساء أن أهمية التمثيلية لا تقاس فقط بعدد المرشحات المسجلات ضمن اللوائح، وإنما أيضاً بالمواقع التي تمنح لهن داخل المنافسة الانتخابية، وبمدى وجودهن في الدوائر والمواقع التي توفر فرصاً حقيقية للفوز والوصول إلى المؤسسة التشريعية.
وفي هذا السياق، أثارت الحركة من أجل ديمقراطية المناصفة مسألة ضعف حضور النساء على رأس اللوائح المحلية، معبرة عن رفضها لما وصفته بمحدودية تمثيلية النساء في هذه الدوائر، فضلاً عن تسجيل حالات رفض أو طعن في بعض الترشيحات التي تتولى فيها نساء قيادة اللوائح.
ولم يقتصر النقاش الذي أثارته الحركة على أرقام الترشح، إذ ربطت المشاركة السياسية للنساء أيضاً بالظروف التي تخوض فيها المرشحات حملاتهن الانتخابية، محذرة من تنامي مظاهر التشهير والتبخيس والضغط والابتزاز والعنف الرقمي التي يمكن أن تستهدف المرشحات والقيادات السياسية النسائية خلال فترة المنافسة الانتخابية.
وترى الحركة أن المشاركة السياسية للنساء لا ينبغي أن تتحول إلى حضور شكلي مرتبط فقط باستكمال اللوائح، معتبرة أن التمكين السياسي للنساء يندرج ضمن الحقوق الدستورية، كما يمثل مؤشراً أساسياً على مدى ديمقراطية المؤسسات والأحزاب وعلى قدرة العملية الانتخابية على ضمان تكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين.
كما انتقدت الحركة ما اعتبرته ضعفاً في أشكال الدعم التي تحصل عليها النساء داخل عدد من الأحزاب السياسية، داعية إلى توفير المساندة المالية والتنظيمية والمعنوية والتكوينية للمرشحات، بدل أن تتحول مسألة الحصول على التزكية إلى مسار تفرض خلاله شروط أو مطالب مالية قد تزيد من صعوبة وصول النساء إلى مواقع التنافس الانتخابي.
وطالبت الحركة الجهات المختصة بتقديم توضيحات واضحة بشأن حالات رفض اللوائح أو الطعن فيها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بلوائح تقودها نساء، مع الكشف عن الأسس القانونية والواقعية التي تستند إليها مثل هذه القرارات، والتأكد من تطبيق القواعد نفسها على جميع المرشحين والمرشحات دون تمييز.
وفي الوقت نفسه، شددت على ضرورة احترام قرينة البراءة وعدم تحويل الشبهات إلى أحكام مسبقة، مع فتح التحقيقات الضرورية عندما تتوفر مؤشرات جدية بشأن احتمال وقوع ممارسات مرتبطة بالفساد الانتخابي أو الاتجار في التزكيات أو استغلال النفوذ، بما يضمن سلامة العملية الانتخابية ويحمي حقوق جميع المتنافسين.
وحملت الحركة الأحزاب السياسية مسؤولية سياسية وقانونية وأخلاقية عن مستوى حضور النساء في الدوائر المحلية، خصوصاً في المواقع التي توفر حظوظاً فعلية للمنافسة والفوز، داعية إلى ضمان استفادة المرشحات من الدعم المالي والتنظيمي والإعلامي على قدم المساواة مع المرشحين الرجال.
ويتقاطع هذا النقاش مع مبادرات مدنية جديدة تسعى إلى جعل أداء الأحزاب في مجال التمثيلية النسائية أكثر قابلية للرصد والتقييم. وفي هذا الإطار، أعلنت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب إطلاق "بارومتر التمثيلية السياسية للنساء"، بهدف توفير آلية لتتبع مدى التزام الأحزاب السياسية بالمساواة وتكافؤ الفرص، ومراقبة ممارساتها في مجال التمكين السياسي للنساء.
ويستند هذا المؤشر إلى مجموعة من المعايير التي تشمل حضور النساء داخل الهياكل الحزبية، ومدى وصولهن إلى مواقع القرار، إضافة إلى طبيعة الفرص التي تمنح لهن خلال الاستحقاقات الانتخابية.
كما يولي أهمية لطريقة اختيار المرشحات، ومدى وضوح وشفافية المعايير المعتمدة في منح التزكيات، فضلاً عن حجم الدعم السياسي والتنظيمي واللوجستي والتكويني الذي توفره الأحزاب للنساء المرشحات.
ويمتد التقييم كذلك إلى الخطاب السياسي والإعلامي للأحزاب خلال الحملة الانتخابية، بما يسمح برصد موقع قضايا المساواة وتمكين النساء في البرامج والخطابات الانتخابية، ومدى انعكاس ذلك على الصورة التي تقدمها التنظيمات السياسية للمرأة ودورها في الحياة العامة.
ويأتي إطلاق هذه المبادرة في ظرف انتخابي تتزايد فيه أهمية مراقبة أداء الأحزاب، ليس فقط من خلال نتائج صناديق الاقتراع، وإنما أيضاً من خلال طبيعة المسارات التي تسبق يوم التصويت، بدءاً من اختيار المرشحين ووكلاء اللوائح، مروراً بتوفير شروط المنافسة، وصولاً إلى حماية المتنافسين والمتنافسات من مختلف أشكال الضغط والإقصاء والتشهير.
وفي هذا الإطار، دعت الحركة من أجل ديمقراطية المناصفة السلطات والمؤسسات المعنية بتدبير العملية الانتخابية إلى توفير حماية أكثر فعالية للمرشحات، خاصة في مواجهة التشهير والتحرش والتهديد والابتزاز والضغط الاقتصادي والعنف الرقمي، فضلاً عن أشكال الإقصاء التي قد تحدث داخل التنظيمات السياسية أو خلال مراحل المنافسة الانتخابية.
كما طالبت بإرساء آليات سريعة وفعالة لاستقبال شكايات المرشحات ومعالجتها والتحقيق فيها والبت فيها داخل آجال تتيح حماية الحقوق أثناء فترة الحملة، حتى لا تتحول الممارسات أو الضغوط التي قد تتعرض لها النساء إلى وقائع يصعب تدارك آثارها بعد انتهاء الانتخابات.
ويضع هذا الوضع الأحزاب السياسية أمام اختبار جديد في علاقتها بملف المشاركة النسائية، خصوصاً أن الانتخابات التشريعية المقبلة لا تقتصر رهاناتها على تحديد موازين القوى داخل البرلمان، بل تطرح أيضاً أسئلة مرتبطة بطبيعة النخب التي ستتولى تمثيل المواطنين، ومدى قدرة المؤسسات السياسية على عكس التحولات الاجتماعية والديمقراطية التي يعرفها المغرب.