قصة نجاح مغربية عابرة للحدود: "لابروفان" من بطل وطني للصناعة الصيدلية إلى مجموعة متعددة الجنسيات
في مشهد اقتصادي عالمي يتسم بالتنافسية الشديدة، تبرز مجموعة "لابروفان" (Laprophan) الصيدلية المغربية كنموذج استثنائي للشركات الوطنية التي استطاعت تحويل ريادتها المحلية إلى توسع دولي عابر للقارات.
فمنذ تأسيسها عام 1949 على يد الراحل الدكتور عبد الرحيم بنيس، لم تتوقف المجموعة عن التطور؛ لتُكمل اليوم أكثر من 75 عاماً من الابتكار والتوسع، متحولة من رائد محلي للصناعة الصيدلية في المملكة إلى منصة صناعية مندمجة ومتعددة الجنسيات تتواجد منتجاتها في 50 دولة حول العالم.
محطات تاريخية: من براءات الاختراع إلى العالمية
تأسست "لابروفان" في مطلع عهد النهضة الصناعية للمغرب، وشهدت عهدي الخمسينيات والستينيات إنجازات هامة أبرزها افتتاح أول مركز بحث وتطوير تابع للقطاع الخاص في المملكة، وإنشاء مصنع للأدوية القابلة للحقن، مساهمةً بشكل نشط في حملات الصحة العامة الوطنية مثل محاربة داء السل.
وخلال الفترة الممتدة من الستينيات إلى الثمانينيات، سرعت الشركة نقل التكنولوجيات واستبدال الواردات بإنتاج وطني عالي الجودة، مبرمة شراكات استراتيجية مع عمالقة القطاع عالمياً مثل "باكستر" و"نوفو نورديكس". وحظيت هذه الصرامة باعتراف البنك الدولي الذي منح المجموعة درجة "الامتياز" في الثمانينيات، وتُوجت بتعيين الدكتور عبد الرحيم بنيس عضواً في الأكاديمية الوطنية الفرنسية للصيدلة عام 1989.
ومع حلول التسعينيات، أصبح الابتكار المحرك الأساسي لنمو الشركة؛ حيث نالت الجائزة الوطنية للجودة عام 1998، وطورت محفظة جزيئات مبتكرة حائزة على 4 براءات اختراع مثل ®Di-Indo و®Neofortan و®Levamox. وفي عام 2008، حقق منتجها الخاص ®IXOR (أول أوميبرازول فوار في العالم) اعترافاً دولياً بحصوله على جائزة المنظمة العالمية للملكية الفكرية في جنيف، بجانب الجائزة الوطنية للابتكار.
التحول الاستراتيجي والتوسع الأوروبي (2020 - 2026)
شكل عام 2020 منعطفاً حاسماً مع عودة الدكتور فريد بنيس لرئاسة الشركة خلال الأزمة الصحية العالمية (كوفيد-19)، حيث اعتمد مخططاً استراتيجياً قائماً على النمو الخارجي والتحالفات الدولية.
وتسارعت هذه الدينامية بشكل لافت في عام 2023 عقب فتح رأس مال المجموعة أمام كونسورتيوم من المستثمرين المؤسساتيين الدوليين بقيادة "ميديتيرانيا كابيتال بارتنرز" (MCP)، وبمشاركة مؤسسات تنموية كبرى تشمل "بروباركو" الفرنسية، والشركة الألمانية للاستثمار والتنمية (DEG)، وشركة تمويل التنمية الهولندية (FMO). هذا الدعم المالي والترتيب الاستراتيجي فتح الأبواب أمام عمليات استحواذ مُهيكِلة:
- في عام 2024: استحوذت المجموعة على 100% من شركة "أمانيس فارما" (الفاعل الرئيسي في الصيدلة الاستشفائية ومضادات البيتا-لاكتام بالمغرب)، واقتنت 75% من شركة "بوتانيك فارما" المتخصصة في المكملات الغذائية.
- في عام 2026: توجت المجموعة طموحها القاري بالاستحواذ على حصة الأغلبية (60%) في الشركة السويسرية متعددة الجنسيات "ريفوفارم" (Rivopharm)، التي تتخذ من لوغانو مقراً لها وتملك موقعاً صناعياً حاصلاً على اعتمادات عالمية رفيعة مثل (Swissmedic وEU-GMP وUS-FDA)، مما مكن "لابروفان" من دخول الأسواق الأوروبية بقوة عبر فروع ريفوفارم في المملكة المتحدة وألمانيا وليتوانيا.
اليوم، أصبحت "لابروفان" فاعلاً دولياً يمتلك حضوراً تشغيلياً فعلياً في 8 دول، ومحفظة ضخمة تضم أكثر من 1300 ترخيص للطرح في السوق (AMM) تغطي 15 مجالاً علاجياً، اعتماداً على طاقة بشرية تبلغ 1450 موظفاً و4 مواقع إنتاج بين المغرب وسويسرا تتجاوز مساحتها 76,500 متر مربع.
سوق الأدوية في المغرب: تحولات كبرى نحو السيادة الصحية
يأتي النمو المتسارع لمجموعة "لابروفان" متناغماً مع التحولات الهيكلية الكبرى التي يشهدها قطاع الصحة وسوق الأدوية في المغرب، المدفوعة بالإصلاحات الملكية والحكومية الرامية لتعزيز السيادة الصحية الوطنية. ووفقاً لأحدث البيانات القطاعية المتوفرة (أكتوبر 2026)، ترتكز دينامية السوق على المحاور التالية:
. إصلاحات هيكلية وتعميم التغطية الصحية
يمر قطاع الصحة بالمغرب بمنعطف تاريخي تمثل في قفزة نوعية لنسبة تغطية التأمين الإجباري عن المرض (AMO) من 57% في عام 2019 إلى 88% بحلول عام 2025. وتترافق هذه القفزة مع دعم عمومي استثنائي تجسد في:
- ميزانية قطاع الصحة: بلغت 42.4 مليار درهم في عام 2026 (نحو 3% من الناتج الداخلي الخام)، بمعدل نمو سنوي متوسط قدره +14.6% منذ 2019.
- إعادة هيكلة العرض الصحي: عبر إصدار القانون رقم 06-22 لإحداث المجموعات الصحية الترابية، ورفع القدرات الاستشفائية الوطنية إلى 50,289 سريراً في 2025.
- الحكامة والتنظيم: تعزيز آليات الرقابة عبر إحداث "الهيئة العليا للصحة" و"الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية" التي نُقلت إليها صلاحيات واسعة لتسريع تسليم رخص الطرح في السوق.
وقد واكب هذا الإصلاح ارتفاع نفقات الأدوية المعوض عنها، لتصل إلى 11.9 مليار درهم في عام 2024 (تحمل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS منها 8.3 مليار درهم)، بنسب تعويض بلغت 68.20% لدى (CNSS) و78.69% لدى الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS).
- 2. الوزن الاقتصادي والاستقلالية الصناعية للمملكة
تتبوأ الصناعة الصيدلانية المغربية المرتبة الثانية على الصعيد الإفريقي، وتعد ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني والسيادة الصحية:
- المساهمة الاقتصادية: يساهم القطاع بنسبة 1.6% من الناتج الداخلي الخام الوطني (و5% من الناتج الخام الصناعي)، ويوفر حوالي 80,000 منصب شغل مباشر وغير مباشر.
- حجم السوق والإنتاج: بلغ رقم معاملات المؤسسات الصيدلانية الصناعية (EPI) 25.9 مليار درهم في عام 2024 بزيادة سنوية قدرها 9.6%، فيما سجل الإنتاج الوطني للأدوية 19.5 مليار درهم.
- الاستقلالية: يغطي الإنتاج المحلي الحالي 58% من الاحتياجات الوطنية من حيث القيمة، ونحو 75% من حيث الحجم.
- المنظومة الترابية: يضم القطاع 56 مؤسسة صيدلانية صناعية، و66 موزعاً بالجملة، و14,000 صيدلية للبيع بالتقسيط (بمعدل صيدلية لكل 2,605 نسمة، تغطي 94% من التراب الوطني).
. الأدوية الجنيسة كرافعة للولوجية العادلة
في إطار التحكم في تكاليف الرعاية الصحية، تبرز الأدوية الجنيسة (المطابقة في تكافؤها الحيوي للأدوية الأصلية الحاصلة على براءة الاختراع) كخيار استراتيجي؛ إذ أصبحت تمثل 51% من حصة السوق الوطنية من حيث القيمة و60% من حيث عدد الوحدات المباعة، مما يجعلها الرافعة الأساسية لتسهيل ولوج المواطنين الشامل للعلاجات والابتكارات الطبية.
إن مسار مجموعة "لابروفان" الممتد لـ 75 عاماً يعكس بوضوح قدرة المقاولة المغربية على قيادة التحول الصناعي المحلي، والاندماج الذكي في المنظومة الصحية الدولية، مستفيدة من بيئة تشريعية وطنية محفزة تسعى بوضوح لتحقيق السيادة الصحية الشاملة للمملكة.