الجمعية الطبية لإعادة تأهيل ضحايا العنف وسوء المعاملة وشركاؤها ينظمون يوماً علمياً وحقوقياً بالدار البيضاء
في إطار التعبئة من أجل تعزيز الحق في الصحة وحقوق النساء، نظمت الجمعية الطبية لإعادة تأهيل ضحايا العنف وسوء المعاملة (AMRVV)، بشراكة مع مختبر الصحة الجنسية والإنجابية (LSSR) وكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء التابعة لجامعة الحسن الثاني، يوم السبت 31 أكتوبر 2026، بمقر الجمعية بالدار البيضاء، لقاءً علمياً وتوعوياً وترافعياً تحت شعار «أكتوبر الوردي بدون عنف: الكشف المبكر، العلاج، الحماية».
وشكل هذا اللقاء، الذي امتدت أشغاله من التاسعة صباحاً إلى الثانية والنصف بعد الزوال، محطة للحوار وتبادل الخبرات بين الأطباء والأخصائيين النفسانيين والفاعلين الجمعويين والحقوقيين، حول قضايا الوقاية من سرطان الثدي وسرطان عنق الرحم، وتحسين مسارات التشخيص والعلاج، وتعزيز المواكبة النفسية والاجتماعية للنساء، فضلاً عن مناقشة مسؤولية السياسات العمومية في ضمان ولوج عادل ومنصف إلى الخدمات الصحية.
ولم يكن الهدف من هذه المبادرة الاقتصار على حملة موسمية للتوعية بسرطان الثدي، بل العمل على توسيع النقاش ليشمل صحة النساء باعتبارها حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، يرتبط بالحق في الحياة والسلامة الجسدية والنفسية والكرامة والاستقلالية، وبضرورة توفير خدمات صحية ذات جودة، دون تمييز بسبب الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي أو المجالي.
شراكة متواصلة من أجل حماية الضحايا وإعادة تأهيلهم
في كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور عبد الكريم المانوزي، الكاتب العام للجمعية الطبية لإعادة تأهيل ضحايا العنف وسوء المعاملة، اعتزاز الجمعية بالشراكة التي تجمعها بالمنظمات والجمعيات والمهنيين، وبما أفرزته من مبادرات عملية تعزز التعاون والتنسيق وتقاسم المسؤوليات في مجال حماية الضحايا وإعادة تأهيلهم.
واستعرض حصيلة العمل المشترك منذ توقيع ميثاق الشراكة والتعاون في 28 أبريل 2026، مشيراً إلى تنظيم خمسة أنشطة مشتركة خلال خمسة أشهر، استهدفت فئات متعددة، من ضحايا التعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، إلى النساء والفتيات ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، والمهاجرات والمهاجرين في وضعية غير نظامية، وصولاً إلى المراهقين والمراهقات الموجودين في وضعية نزاع مع القانون والمودعين بمراكز حماية الطفولة.
كما توقف عند المبادرات الطبية والنفسية المتنقلة التي استهدفت بعض هذه الفئات داخل مراكز حماية الطفولة، بما فيها شباب ارتبطت أوضاع بعضهم بملفات احتجاجات «جيل Z»، وشباب جرى ترحيلهم من سبتة ومليلية. وأبرز أن هذه المبادرات تعكس قناعة الجمعية بأن الحق في الصحة والرعاية النفسية لا ينبغي أن يتوقف عند الوضعية الاجتماعية أو القانونية للأشخاص، أو عند ظروف إيداعهم.
وأشار أيضاً إلى أهمية التكوين الذي استفاد منه الأطباء والأخصائيون النفسانيون والمساعدات الاجتماعيات لدى المنظمات الشريكة، بدعم علمي وبيداغوجي من مختبر الصحة الجنسية والإنجابية بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء، مؤكداً أن الاستثمار في الكفاءات المتطوعة وتوحيد الممارسات يشكلان مدخلاً أساسياً لتطوير خدمات الاستقبال والإنصات والتقييم والتوجيه.
وفي هذا السياق، أعلن عن انطلاق المداومات الأسبوعية التي تنظمها الجمعية لاستقبال النساء والرجال والفتيات والفتيان من الناجيات والناجين من العنف والتعذيب وسوء المعاملة، وفق مقاربة تقوم على الإنصات والتقييم الأولي للاحتياجات والتوجيه نحو الخدمات الطبية والنفسية والاجتماعية الملائمة، مع احترام السرية والخصوصية والكرامة.
وشدد على أن طموح الجمعية يتجاوز تقديم استشارات متفرقة، نحو بناء مسارات متكاملة ومتعددة التخصصات لإعادة التأهيل والتكفل بالضحايا، في تعاون مستمر مع الجمعيات والمهنيين والمؤسسات العمومية والشركاء الأكاديميين.
مداخلات علمية تناولت الوقاية والتشخيص والعلاج وجودة الحياة
تميز البرنامج بمداخلات علمية ومهنية تناولت جوانب متكاملة من صحة النساء، وفتحت المجال للنقاش حول التحديات التي تعترض النساء في مسارات الوقاية والكشف والتشخيص والعلاج.
ففي محور الوقاية من سرطان الثدي، قدمت الأستاذة الدكتورة نادية مزيان مداخلة ركزت على أهمية المعلومة العلمية الدقيقة، والتعريف بعلامات الإنذار المبكرة، وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة، والتأكيد على أهمية الكشف المبكر واللجوء في الوقت المناسب إلى الفحوصات والرعاية الطبية.
ومن جهتها، تناولت الدكتورة ندى الدريدي موضوع سرطان عنق الرحم، من زاوية الانتقال من مرض يمكن الوقاية منه إلى مرض يمكن القضاء عليه باعتباره مشكلة للصحة العمومية. وركزت مداخلتها على أهمية الوقاية والتلقيح ضد فيروس الورم الحليمي البشري، وتوسيع برامج الكشف المبكر، وتيسير التشخيص والعلاج، متسائلة عن الالتزامات التي ينبغي أن يتخذها المغرب لجعل هذا الهدف واقعاً ملموساً.
الأستاذ الدكتور حسن بوكند، فقد سلط الضوء على جراحة الترميم وإعادة بناء الثدي، مبرزاً دورها في إعادة التأهيل بعد الإصابة بسرطان الثدي، ليس فقط من الناحية الطبية والجسدية، بل أيضاً من حيث استعادة الثقة بالنفس وتحسين صورة الجسد وجودة الحياة.
وفي الجانب النفسي، شكلت محاور الإصغاء الفردي والتوجيه فضاءً أساسياً ضمن برنامج اللقاء، حيث أبرزت الأخصائية النفسية الإكلينيكية نوهيلة شبيوب أهمية توفير فضاءات آمنة وسرية للإنصات، ومواكبة النساء وفق احتياجاتهن، وتوجيههن نحو الخدمات المناسبة. ويأتي هذا الجانب تأكيداً على أن التكفل بالنساء لا ينبغي أن يقتصر على العلاج الطبي، بل يتعين أن يشمل أيضاً الأبعاد النفسية والاجتماعية والإنسانية المرتبطة بالمرض وتجربته.
وقد تولى الأستاذ الدكتور سعيد المتوكل، نائب رئيس الجمعية، تيسير وتسيير النقاش، بما أتاح تبادل وجهات النظر والخبرات بين المتدخلين والمشاركين، وتعميق النقاش حول سبل تطوير الاستجابة الصحية والمؤسساتية.
من القضاء على سرطان عنق الرحم إلى الالتزامات العمومية
ومن المحاور التي أعطت للقاء بعداً سياسياً وترافعياً، النقاش المتعلق بسبل تحويل الهدف العالمي للقضاء على سرطان عنق الرحم إلى التزامات فعلية في السياسات الصحية الوطنية.
وفي هذا الإطار، تم التأكيد على أن القضاء على هذا المرض لا يمكن أن يتحقق بمجرد إعلان الأهداف أو تكرار حملات التحسيس، بل يتطلب سياسة عمومية ممولة ومنصفة، تقوم على الوقاية والتلقيح والكشف المبكر والعلاج، وتعمل على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، مع اعتماد مؤشرات واضحة لقياس النتائج ومتابعة الالتزامات.
كما جرى إبراز الدور المحوري للمجتمع المدني، ولا سيما الجمعيات النسائية والصحية والحقوقية، في نشر المعلومة العلمية، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، والدفاع عن حقوق النساء، ورصد الصعوبات التي تواجههن، وتوثيق أوجه اللامساواة، والترافع أمام المؤسسات المعنية.
وفي هذا السياق، طُرحت فكرة بناء منصة مشتركة للترافع الجمعوي، تجعل من القضاء على سرطان عنق الرحم وتحسين خدمات الوقاية والعلاج أولوية وطنية للصحة العمومية والعدالة الاجتماعية، وتساهم في متابعة الالتزامات الحكومية وتقييم السياسات والبرامج المعتمدة.
مشروع رسالة مفتوحة: الحق في الوقاية والعلاج ليس امتيازاً
وانطلاقاً من النقاشات التي عرفها اللقاء، برزت الحاجة إلى تحويل الرسائل العلمية والحقوقية إلى مطالب واضحة ومقترحات عملية موجهة إلى المسؤولين وصناع القرار. وفي هذا الإطار، طُرح مشروع رسالة مفتوحة تحت عنوان: *«نداء نسائي وحقوقي من أجل الحق في الصحة والحياة والكرامة»*.
ويدعو هذا المشروع الحكومة والقطاعات والمؤسسات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، إلى اتخاذ إجراءات عملية لضمان الولوج العادل والميسر إلى فحوصات الكشف المبكر والتشخيص والعلاج، وتعزيز الوقاية من سرطان الثدي وسرطان عنق الرحم، وتيسير الاستفادة من التلقيح ضد فيروس الورم الحليمي البشري، وضمان استمرارية العلاج والمتابعة.
كما يشدد على ضرورة تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وإعطاء الأولوية للنساء في المناطق القروية والنائية والأحياء الهشة، وتعزيز الموارد البشرية والتجهيزات الطبية، وتطوير مسارات واضحة ومتكاملة للتكفل، تشمل المواكبة النفسية والاجتماعية وإعادة التأهيل وتحسين جودة الحياة.
ويؤكد النداء، كذلك، ضرورة احترام حقوق النساء داخل المؤسسات الصحية، وفي مقدمتها الحق في الاستقبال اللائق، والإنصات، والسرية، والموافقة المستنيرة، والاستقلالية، وعدم التعرض لأي شكل من أشكال التمييز أو الإهانة أو العنف.
ومن المطالب الأساسية أيضاً اعتماد حكامة صحية قائمة على الالتزامات والنتائج، من خلال تحديد أهداف وطنية قابلة للقياس، وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة، ونشر معطيات دورية حول التغطية الصحية وآجال التشخيص والعلاج، وإشراك الجمعيات والهيئات المهنية وممثلات المريضات في التتبع والتقييم.
من التضامن إلى التغيير: دعوة إلى تعبئة مدنية مستمرة
لقد أبانت أشغال هذا اليوم عن أهمية الربط بين المعرفة الطبية والمقاربة الحقوقية والعمل الجمعوي، وعن الحاجة إلى تجاوز منطق المبادرات الظرفية نحو تعبئة مستمرة من أجل صحة النساء وكرامتهن.
فمسؤولية الوقاية لا يمكن أن تلقى على عاتق النساء وحدهن، كما أن الحصول على العلاج لا ينبغي أن يظل رهيناً بالقدرة على الدفع أو بمكان الإقامة أو بمستوى الوعي الصحي. إن توفير الخدمات الصحية المناسبة، وتقليص آجال التشخيص، وضمان استمرارية التكفل، وحماية كرامة النساء، مسؤوليات تقع في صلب السياسات العمومية والتزامات الدولة في مجال الحق في الصحة.
ومن هذا المنطلق، تتجه الدعوة إلى الجمعيات النسائية والحقوقية والصحية، والهيئات المهنية والباحثين والباحثات ووسائل الإعلام، وكافة القوى الديمقراطية والتقدمية، من أجل توحيد الجهود وبناء أرضية مشتركة للترافع، تجعل من صحة النساء أولوية وطنية فعلية، وتربط المطالب بالتزامات قابلة للتنفيذ والتقييم.
وقد شكلت مبادرة «أكتوبر الوردي بدون عنف» مناسبة لتجديد التأكيد على أن حماية صحة النساء لا تنفصل عن حماية حقوقهن، وأن الكشف المبكر والعلاج وإعادة التأهيل والإنصات والحماية حلقات متكاملة في مسار صون الحق في الحياة والكرامة.
إن نجاح السياسات الصحية لا يقاس بعدد الحملات التي تنظمها، بل بقدرتها على إنقاذ الأرواح، وتقليص التأخر في التشخيص، وضمان العلاج، وحماية كرامة النساء، والوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة وتهميشاً.*
ومن هنا، فإن الرسالة التي حملها هذا اللقاء واضحة: لا نريد أن يظل أكتوبر الوردي موعداً سنوياً للتحسيس فحسب، بل نريده منطلقاً لتعبئة نسائية وحقوقية دائمة، تتحول فيها التوصيات إلى التزامات، والالتزامات إلى إجراءات، والتضامن إلى قوة حقيقية للتغيير.
معاً من أجل الوقاية والعلاج والحماية.
معاً من أجل سياسات صحية أكثر عدلاً وإنصافاً.
معاً من أجل الحق في الصحة والحياة والكرامة، و«أكتوبر وردي بدون عنف».