هل يكشف تضارب أقوال البواري فجوة بين الأرقام الحكومية وواقع أسواق الأضاحي؟
على بعد أيام قليلة من حلول عيد الأضحى، عاد الجدل حول أسعار الأضاحي ليفرض نفسه بقوة داخل البرلمان وخارجه، وسط تزايد شكاوى المواطنين من الارتفاع الكبير الذي تعرفه أسواق المواشي بمختلف جهات المملكة، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن العرض متوفر والأسعار “في المتناول” بالنسبة لعدد من الفئات.
وبين انتقادات المعارضة وطمأنة المسؤولين الحكوميين، يعيش عدد من الأسر المغربية حالة من القلق بسبب الكلفة المرتفعة التي باتت ترافق هذه المناسبة الدينية والاجتماعية.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، المنعقدة اليوم الإثنين 18 ماي 2026، وجه نواب برلمانيون انتقادات حادة إلى الحكومة بسبب ما وصفوه بـ”الغلاء غير المبرر” الذي تعرفه أسعار الأضاحي، معتبرين أن الأسواق تشهد انفلاتا حقيقيا في الأثمان نتيجة المضاربات وتعدد الوسطاء، وهو ما يثقل كاهل الأسر المغربية، خاصة ذات الدخل المحدود والمتوسط.
وأكد عدد من المتدخلين أن أسعار الأضاحي بلغت مستويات قياسية هذا الموسم، حيث تجاوزت في عدد من الأسواق سقف 6 آلاف و7 آلاف درهم بالنسبة لبعض السلالات، في وقت لا يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص 3100 درهم، ما يجعل اقتناء الأضحية أمرا صعبا بالنسبة لعدد واسع من المواطنين.
وأوضح النواب أن أثمنة الخرفان كانت خلال السنوات الماضية تتراوح بين 2500 و3000 درهم، قبل أن تعرف ارتفاعا متواصلا خلال المواسم الأخيرة.
وأشاروا إلى أن عيد الأضحى تحول لدى العديد من الأسر إلى مصدر ضغط اجتماعي ونفسي بسبب الارتفاع المتواصل للأثمان، مطالبين بتشديد المراقبة داخل الأسواق والتصدي لما وصفوه بجشع المضاربين و”الشناقة”.
وفي مقابل هذه الانتقادات، دافع وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، عن الإجراءات الحكومية المتخذة استعدادا لعيد الأضحى، مؤكدا أن برنامج إعادة تكوين القطيع الوطني ساهم في استعادة التوازن داخل قطاع تربية الماشية، بعد السنوات الصعبة التي تأثر فيها القطاع بفعل الجفاف وتراجع التساقطات المطرية.
وأوضح الوزير أن القطيع الوطني من الأغنام والماعز بلغ، وفق إحصاء شهر غشت 2025، حوالي 30.7 مليون رأس، منها 23.2 مليون رأس من الأغنام و7.5 مليون رأس من الماعز، مشيرا إلى أن تحسن الظروف المناخية والولادات الموسمية ساهم في تعزيز العرض الوطني بشكل ملحوظ.
وأضاف أن العرض المخصص لعيد الأضحى هذه السنة يقدر ما بين 8 و9 ملايين رأس، وهو ما اعتبره كافيا لتلبية الطلب الوطني الذي يتراوح عادة بين 6 و7 ملايين رأس.
وأكد البواري أن الأسواق تعرف وفرة وتنوعا في العرض من حيث السلالات والأحجام والأسعار، مضيفا أن أثمنة الأضاحي تبدأ من 1000 و1500 درهم في عدد من الأسواق، وهو التصريح الذي أثار موجة من التفاعل والسخرية داخل قبة البرلمان وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر عدد من النواب والمتابعين أن هذه الأسعار لا تعكس الواقع الذي تعيشه الأسواق حاليا.
وعاد البواري، بعد ذلك ليصحح غلطته، مؤكدا أن الأسعار المتواجدة في الأسواق تبدأ من 2000 درهم.
وفي هذا السياق، شكك رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب، إدريس السنتيسي، في وجود خرفان تباع بهذا السعر، معتبرا أن الحديث عن أضاحي بـ1000 درهم أو أكثر بقليل يدخل في خانة “التضليل”، بالنظر إلى الأسعار المتداولة فعليا داخل الأسواق الأسبوعية ونقط البيع بمختلف المدن.
الجلسة البرلمانية لم تخل من أجواء التوتر السياسي، بعدما تفجر سجال حاد بين عدد من النواب بسبب تصريحات مثيرة للجدل أطلقها النائب البرلماني إدريس الشطيبي خلال ترؤسه الجلسة. فقد اتهم الشطيبي نواب المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية بأنهم “تحولوا إلى شيعيين شيوعيين”، في سياق انتقاده لطريقة مقاطعتهم لوزير الفلاحة أثناء حديثه عن أسعار الأضاحي.
وأثارت هذه التصريحات احتجاجا واسعا داخل الجلسة، حيث طالب النائب البرلماني مصطفى الإبراهيمي بسحب تلك العبارات من محضر الجلسة، مؤكدا أن أعضاء الحزب “مغاربة وسنة وليسوا شيعيين”.
غير أن الشطيبي تمسك بموقفه، معتبرا أن تصريحاته جاءت ردا على ما وصفه بعدم احترام الجلسة ورئاسة المجلس.
ومع تصاعد حدة التوتر، تدخل رئيس فريق حزب الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، أحمد التويزي، مطالبا برفع الجلسة مؤقتا لاحتواء الخلاف، وهو ما تم بالفعل بعد احتدام النقاش بين النواب.
وفي موازاة الجدل السياسي داخل البرلمان، تواصل مواقع التواصل الاجتماعي تداول مقاطع فيديو وصور من أسواق بيع المواشي بمختلف المدن المغربية، تظهر ارتفاع الأسعار بشكل لافت، حيث أكد عدد من المواطنين أن الأثمان تبدأ في غالب الأحيان من 3000 درهم وقد تتجاوز 6000 درهم حسب الحجم والسلالة.
كما عبر كثيرون عن استيائهم من الوضع الحالي، معتبرين أن القدرة الشرائية للأسر لم تعد قادرة على تحمل تكاليف العيد في ظل ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية والخدمات.
ويبدو أن ملف أسعار الأضاحي سيظل خلال الأيام المقبلة في صدارة النقاش العمومي، خاصة مع اقتراب عيد الأضحى وازدياد الإقبال على الأسواق، وسط مطالب متواصلة بتكثيف المراقبة والحد من المضاربات التي يرى متابعون أنها تلعب دورا رئيسيا في ارتفاع الأسعار، مقابل تأكيد الحكومة أن العرض متوفر وأن السوق تعرف وفرة كافية لتغطية حاجيات المواطنين بمختلف جهات المملكة.