إنهاء العمل بـ12 ساعة يشعل النقاش السياسي حول حقوق حراس الأمن الخاص
عاد ملف أعوان الحراسة والأمن الخاص إلى صدارة النقاش العمومي بالمغرب، في ظل تصاعد الدعوات المطالبة بإنصاف هذه الفئة المهنية التي ظلت لسنوات طويلة تواجه ظروف اشتغال صعبة ارتبطت أساسا بطول ساعات العمل وضعف الأجور وغياب الاستقرار المهني، رغم الأدوار الحيوية التي تضطلع بها داخل المؤسسات العمومية والخاصة ومختلف المرافق الحيوية.
ويأتي تجدد النقاش حول هذا الملف الاجتماعي بالتزامن مع شروع الحكومة في تنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي الأخيرة، التي تضمنت إجراءات تروم مراجعة عدد من الاختلالات المرتبطة بالقطاع، وعلى رأسها إنهاء العمل بنظام 12 ساعة اليومية بالنسبة لأعوان الحراسة والأمن الخاص.
ويعتبر هذا الورش من بين أبرز الإصلاحات الاجتماعية التي تراهن الحكومة الحالية على تمريرها خلال المرحلة المقبلة، بالنظر إلى ما يطرحه من رهانات مرتبطة بتحسين ظروف العمل وتعزيز الحماية الاجتماعية لفئة واسعة من المستخدمين الذين ظلوا لسنوات يشتغلون في ظروف وصفت من طرف عدد من الفاعلين النقابيين والحقوقيين بالمجحفة وغير المتوازنة.
كما يثير الملف تساؤلات متزايدة بشأن مدى قدرة السلطات العمومية على فرض احترام المقتضيات القانونية الجديدة وضمان عدم الالتفاف عليها من طرف بعض الشركات المشغلة.
ودخل البرلمان على خط هذا النقاش من خلال إثارة عدد من النواب لمعاناة العاملين في قطاع الحراسة والأمن الخاص خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب المنعقدة اليوم الاثنين 18 ماي 2026، حيث شدد النواب على ضرورة الانتقال من مرحلة الوعود والإعلانات إلى مرحلة التنزيل الفعلي للإصلاحات المرتقبة، بما يضمن حماية الحقوق المهنية والاجتماعية لهذه الفئة.
وفي هذا السياق، أكد النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة حميد الشاية أن القرار المتعلق بإنهاء العمل بنظام 12 ساعة يشكل خطوة مهمة تعكس إرادة سياسية لمعالجة جزء من الاختلالات التي يعرفها القطاع، معتبرا أن هذا الإجراء من شأنه أن يساهم في تحسين ظروف اشتغال أعوان الحراسة والأمن الخاص وتعزيز كرامتهم المهنية والاجتماعية.
وأوضح أن أهمية القرار لا ترتبط فقط بإعلانه، بل بمدى فعالية تنزيله على أرض الواقع واحترام مختلف المتدخلين للمقتضيات القانونية الجديدة.
ونبه الشاية إلى احتمال لجوء بعض الشركات إلى أساليب تحايلية من أجل الالتفاف على الإصلاحات المرتقبة، سواء عبر إعادة صياغة العقود أو فرض ساعات عمل إضافية بطرق غير قانونية، داعيا الحكومة إلى تشديد آليات المراقبة والتفتيش وتفعيل العقوبات القانونية في حق المخالفين، بما يضمن عدم تحويل الإصلاح إلى إجراء شكلي يفتقد للأثر العملي داخل أماكن العمل.
كما أثار النائب البرلماني إشكالية الاستقرار المهني التي ما تزال تؤرق عددا كبيرا من العاملين في القطاع، مشيرا إلى أن بعض دفاتر التحملات والصفقات العمومية التي أطلقتها مؤسسات وقطاعات حكومية خلال الأشهر الأخيرة تضمنت شروطا مرتبطة بالمستوى الدراسي أو التكوين، وهو ما قد يؤدي إلى إقصاء عدد من الأعوان الذين راكموا سنوات من الخبرة الميدانية دون توفرهم على الشهادات المطلوبة.
واعتبر أن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن يوازن بين تأهيل القطاع وضمان عدم المساس بمناصب الشغل القائمة.
ودعا الشاية وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات إلى اعتماد مقاربة متوازنة تراعي الحقوق الاجتماعية والمهنية للعاملين، وتضمن في الوقت ذاته تطوير القطاع والرفع من جودة خدماته، بما ينسجم مع مبادئ العدالة الاجتماعية وصون الكرامة المهنية.
من جانبه، أكد يونس سكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، التزام الحكومة بمعالجة الإشكالات المرتبطة بظروف اشتغال حراس الأمن الخاص، وفي مقدمتها قضية العمل لمدة 12 ساعة مقابل أجر يحتسب على أساس ثماني ساعات فقط، وهي الوضعية التي ظلت محل انتقادات واسعة من طرف النقابات والهيئات الحقوقية خلال السنوات الماضية.
وأوضح الوزير، خلال جوابه عن سؤالين شفويين بمجلس النواب، أن الحكومة قررت بعد سلسلة من المشاورات مع المنظمات النقابية الأكثر تمثيلية والاتحاديات المهنية لأرباب العمل، التوجه نحو تعديل المادة 173 من مدونة الشغل، التي تسمح لبعض الفئات العاملة بنظام العمل المتقطع، ومن بينها أعوان الحراسة، بالاشتغال لمدة تصل إلى 12 ساعة يوميا.
وأشار سكوري إلى أن قطاع الحراسة والأمن الخاص عرف خلال العقدين الأخيرين تحولات كبيرة سواء من حيث عدد الشركات أو حجم اليد العاملة أو طبيعة المهام المسندة إليه، مبرزا أن السياق الحالي لم يعد يسمح باستمرار العمل بالمقتضيات القديمة التي تم وضعها في مرحلة مختلفة عن الواقع المهني والاجتماعي الذي يعيشه القطاع اليوم.
وأضاف الوزير أن التعديل المرتقب سيشمل الفئات التي لا تشتغل بنظام العمل المتقطع، موضحا أن العقود الجديدة المرتبطة بالصفقات التي ستبرم بعد دخول القانون حيز التنفيذ لن تتضمن إمكانية تشغيل الأعوان لمدة 12 ساعة، على أن يتم تطبيق المقتضيات الجديدة مباشرة بعد استكمال المسطرة التشريعية والمصادقة النهائية عليها داخل البرلمان.
وفي ما يتعلق بالعقود الجارية حاليا، كشف المسؤول الحكومي أن الحكومة تتجه نحو اعتماد مرحلة انتقالية محددة زمنيا، بهدف تمكين الإدارات العمومية والمؤسسات الخاصة من مراجعة دفاتر التحملات والصفقات القائمة وإعادة تقييم الكلفة المالية المترتبة عن تقليص ساعات العمل، خاصة أن التقديرات الأولية تشير إلى إمكانية ارتفاع التكاليف بنسبة تتراوح ما بين 40 و50 في المائة.
وأكد سكوري أن الوزارة تستعد لإطلاق حملة وطنية للمراقبة والتفتيش داخل شركات الحراسة والأمن الخاص، من أجل تتبع مدى احترام المقتضيات القانونية الجديدة وضمان حماية حقوق المستخدمين.
كما أعلن عن عقد اجتماعات تنسيقية مع مسؤولي الوزارة ومفتشي الشغل خلال الأسابيع المقبلة، في إطار التحضير لتفعيل إجراءات المراقبة الميدانية والتصدي لأي خروقات محتملة.
وفي مقابل الترحيب الواسع بمشروع تقليص ساعات العمل، تتواصل المطالب بضرورة فتح نقاش أوسع حول أوضاع أعوان الحراسة والأمن الخاص، يشمل مراجعة الأجور والتغطية الاجتماعية والتعويضات وظروف العمل والتكوين المهني، بما يضمن الارتقاء بالقطاع وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار والإنصاف لفئة ظلت لسنوات تشتغل في صمت داخل واحد من أكثر القطاعات استنزافا من حيث الجهد وضغط العمل.