هل أشعلت الجولات الميدانية المبكرة حربا سياسية قبل الانتخابات؟
تتجه الساحة السياسية المغربية إلى مرحلة تتسم بارتفاع منسوب التنافس مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في شهر شتنبر المقبل، في وقت تكثف فيه الأحزاب السياسية تحركاتها الميدانية وتواصلها مع المواطنين، بالتوازي مع احتدام النقاش داخل المؤسسة التشريعية بشأن حدود العمل الحزبي خلال الفترة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية، ومدى التزام مختلف الفاعلين السياسيين بضوابط المنافسة التي يكفلها الدستور والقانون.
وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة بالنظر إلى الرهانات المرتبطة بتجديد المؤسسات المنتخبة وتعزيز المشاركة السياسية، في ظل تطلعات متزايدة إلى تجديد النخب وإفراز برامج قادرة على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المملكة.
كما تفرض اقتراب الانتخابات إيقاعا سياسيا مختلفا داخل البرلمان وخارجه، حيث أصبحت الحصيلة الحكومية وأداء الأحزاب في صلب النقاش العمومي.
وفي هذا السياق، تحولت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، المنعقدة اليوم الاثنين ضمن الدورة الثانية من السنة التشريعية 2025-2026، إلى ساحة سجال سياسي بين مكونات المعارضة والأغلبية، بعدما تبادل الطرفان الانتقادات بشأن طبيعة التحركات الميدانية التي يقوم بها عدد من المسؤولين الحزبيين وأعضاء الحكومة، ومدى ارتباطها بالاستعداد المبكر للاستحقاقات التشريعية المقبلة.
وأثار سعيد بعزيز، النائب البرلماني عن الفريق الاشتراكي–المعارضة الاتحادية، خلال تدخله، ما اعتبره توظيفا للجولات الميدانية التي يقوم بها بعض أعضاء الحكومة في عدد من المدن والقرى والدواوير، معتبرا أن هذه التحركات تتزامن مع غياب عدد منهم عن جلسات البرلمان، رغم أن المؤسسة التشريعية تشكل الفضاء الدستوري المخصص لمساءلة السلطة التنفيذية وتتبع حصيلة عملها.
ورأى بعزيز أن استمرار الإعلان عن مشاريع وبرامج جديدة من طرف مسؤولين يشرفون على القطاعات نفسها منذ سنوات يطرح، بحسب تقديره، تساؤلات حول توقيت هذه المبادرات، ومدى انسجامها مع قواعد تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين السياسيين، خاصة مع اقتراب موعد الاقتراع، مشددا على ضرورة احترام الضوابط القانونية والمؤسساتية المؤطرة للمنافسة الانتخابية.
وأعاد هذا الطرح إلى الواجهة النقاش المتعلق بعلاقة الحكومة بالمؤسسة التشريعية، وحدود التوفيق بين ممارسة الاختصاصات الحكومية والانخراط في الأنشطة الحزبية، في مرحلة يطغى عليها تقييم حصيلة الولاية الحكومية والاستعداد لخوض غمار الانتخابات المقبلة، وسط مطالب بتعزيز حضور الوزراء داخل البرلمان وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
في المقابل، سارعت مكونات الأغلبية إلى الرد على هذه الانتقادات، معتبرة أن التواصل المباشر مع المواطنين يدخل ضمن الأدوار الدستورية للأحزاب السياسية، ولا يمكن اعتباره مؤشرا على استغلال العمل الحزبي لأغراض انتخابية، ما دام يتم في إطار احترام القوانين المنظمة للحياة السياسية.
وفي هذا الإطار، أثار عبد الرحيم بوعزة، النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، خلال نقطة نظام في مستهل الجلسة، ما وصفه بمحاولات التشكيك في المبادرات الميدانية التي تنظمها الأحزاب، مؤكدا أن اللقاءات المباشرة مع المواطنين والإنصات إلى انشغالاتهم تظل جزءا من صميم العمل السياسي والحزبي، ولا ينبغي إخضاعها لتأويلات مرتبطة بالصراع السياسي.
واعتبر بوعزة أن حزب الأصالة والمعاصرة يمارس أدواره الدستورية من خلال الانفتاح على مختلف مناطق المملكة، مؤكدا أن التواصل مع الساكنة يمثل إحدى الآليات الأساسية لتشخيص الإشكالات المحلية ونقلها إلى المؤسسات المختصة، داعيا إلى عدم تحويل المبادرات الميدانية إلى مادة للمزايدات السياسية أو وسيلة لتغذية الخلافات بين الفرق البرلمانية.
وشدد النائب البرلماني على أن الاختلاف السياسي ينبغي أن يظل محكوما بضوابط المسؤولية والموضوعية، معتبرا أن النقاش العمومي يقتضي تقديم معطيات دقيقة للرأي العام والابتعاد عن كل ما من شأنه تأجيج التوتر أو التشكيك في الأدوار التي تضطلع بها الأحزاب داخل المشهد السياسي، لافتا إلى أن المواطنين أصبحوا أكثر قدرة على تقييم أداء الفاعلين السياسيين من خلال حصيلتهم وممارساتهم الميدانية.
ويعكس هذا السجال البرلماني تصاعد حدة التنافس السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، حيث بدأت ملامح الاصطفاف بين الأغلبية والمعارضة تتبلور بشكل أوضح، سواء داخل البرلمان أو في الفضاء العمومي، في ظل سعي كل طرف إلى الدفاع عن قراءته لطبيعة المرحلة وتقديم تصوراته بشأن تدبير الشأن العام.