كلمة طارق الصنهاجي في مؤتمر جمعية شركات التسيير وصناديق الاستثمار المغربية
طارق الصنهاجي- رئيس الهيئة المغربية لسوق الرساميل
يسعدني أن أشارك في هذه الدورة الجديدة لمؤتمر جمعية شركات التسيير وصناديق الاستثمار المغربية ASFIM.
ومما يزيد في سعادتي بهذه المناسبة، تزامن هذه الدورة مع مستجد بالغ الأهمية بالنسبة لصناعة هيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة، ألا وهو المصادقة على القانون 03.25 الذي جاء ليعيد صياغة الإطار القانوني المنظم لهيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة والذي تم اعتماده خلال الإصلاح الأول لسوق الرساميل بالمغرب في سنة 1993.
ويشكل هذا الحدث الذي نحضره اليوم فرصة لاسترجاع تاريخ هذا القطاع واستحضار الدور المهيكل الذي تضطلع به صناعة تدبير الأصول في تمويل اقتصادنا والذي قد لا يكون معروفا بما فيه الكفاية في بعض الأحيان.
لقد قطعنا طريقا طويلا منذ اعتماد هذا الإصلاح قبل 32 سنة.
وفي هذا السياق، رأت الهيئات الأولى للتوظيف الجماعي للقيم المنقولة النور ببلادنا في سنة 1995.
كانت البداية بخمس شركات تدبير أُحدِثت بمبادرة من خمسة بنوك مغربية، قدّمت لزبئانها هذه الأدوات الاستثمارية الجديدة التي جمعت بين المرونة والسيولة والتدبير بمهنية عالية.
وهكذا، أصبح بإمكان الزبناء القيام، إما لدى الوكالات البنكية أو مباشرة لدى شركات تدبير الأصول، بالاكتتاب في محفظات الأسهم المدرجة في البورصة
وسندات الدين التي يتم تدبيرها باستمرار ووفقا لأفضل المعايير من قبل مهنيين خاضعين لمراقبة الهيئة التنظيمية للسوق.
ويمكن للزبناء في أي وقت رغبوا في ذلك، أن يحولوا توظيفاتهم المالية لسيولة بقيمتها السوقية، التي يتم نشرها بانتظام وبكل شفافية من طرف مسيري الأصول.
ومنذ سنة 1996، تم إحداث أول شركة تسيير أصول مستقلة، ليرتفع عدد هذه الشركات إلى ثمانية (8)، غير أن السوق لم تكن قد عرفت طفرتها بعد، إذ لم تكن قيمة أصولها الصافية آنذاك تتجاوز 3 مليارات درهم.
غير أن الأمور تسارعت منذ 1997 وصولا إلى سنة 2006 حيث بلغت أصول هيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة المستوى الرمزي لـ 100 مليار درهم.
ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف القطاع عن تحقيق أرقام قياسية ليس فقط من حيث جاري الأصول تحت التدبير التي بلغت قيمتها 790 مليار درهم نهاية الشهر الماضي، بل أيضا وعلى الخصوص من حيث المساهمة في تنمية اقتصاد البلاد.
وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن الادخار الذي جمعته هيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة من لدن المستثمرين الخواص والمؤسساتيين، يمكن من خلال ذلك إعادة استثماره في شكل أدوات مالية تصدرها هيئات خاصة أو عمومية، والتي تمكن من تمويل ميزانية الدولة ومواكبة المشاريع الاستثمارية للفاعلين من القطاعين العام والخاص.
أصبح هذا "التكوين للرأسمال" قاطرة حقيقية لتمويل الاقتصاد المغربي. وخلف عبارة هيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة التي تبدو غامضة إلى حد ما بالنسبة لعموم الناس، تكمن في الحقيقة إحدى الركائز الكبرى للاستقرار الماكرو-اقتصادي لبلادنا.
إليكم فيما يلي بعض الأرقام التي تبرز هذه الحقيقة:
تعد هيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة واحدة من بين أبرز قنوات التمويل المباشر للبلاد. ففي نهاية شتنبر 2025، بلغت حصتها حوالي 40% من الجاري الإجمالي لسندات الخزينة المتداولة.
كما أن هذه الهيئات تساهم بشكل فعّال في تمويل البنيات التحتية العمومية والخاصة، حيث تحوز 28% من جاري سندات قرض تمويل قطاع الطرق السيارة والسكك الحديدية، و47% بالنسبة لقطاع الموانئ، و69% بالنسبة لقطاع النقل الجوي، و80% بالنسبة للماء والكهرباء، وإلى غاية 88% بالنسبة لقطاع الاتصالات.
كما أن لهيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة أثرا بارزا أيضا في سوق البورصة. فهي تمتلك 43% من الرسملة العائمة الإجمالية للبورصة، وتمثل 37% من حجم التداولات اليومية في السوق المركزية في سنة 2025.
سيداتي وسادتي، المسيرين الأعضاء في جمعية شركات التسيير وصناديق الاستثمار المغربية،
لا يخفى عليكم أن هذه الإنجازات البارزة تترتب عنها مسؤوليات كبرى: كما يشير إلى ذلك موضوع هذا المؤتمر، فإن مسار التنمية في بلدنا يفرض علينا المزيد من التعبئة. وفي هذا الصدد، تشكل المصادقة على القانون الجديد المتعلق بهيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة منعطفا جديدا في مسار القطاع. فمن خلال تمهيد الطريق أمام فئات جديدة من المنتجات، وفر القانون الجديد إطارا مُعاداً إصلاحه وتحديثه وأعطى زخما جديدا للنمو والابتكار.
وبالتالي، فإن "الصناديق المتداولة في البورصة" و" هيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة التشاركية" من شأنها أن تمكن من مضاعفة الجهود الرامية إلى دمقرطة سوق الرساميل وسط المستثمرين والأفراد. بحصة 8,2% من الأصول المسيرة، وعدد أعلى من 25000، لا زال هناك هامش كبير يمكن استغلاله، خصوصا في ظرفية تتسم بقيام هؤلاء المستثمرين بزيادة مساهمتهم في سوق البورصة بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، حيث تمت مضاعفتها 4 مرات. ويمثل ذلك نقطة تحول حقيقية في تعبئة ادخار الأفراد، وفي توطيد الانخراط الاجتماعي في رهاناتنا الاقتصادية الكبرى!
من خلال إدخال عدة مستجدات أخرى، من قبيل هيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة ذات قواعد تسيير مخففة (RFA)، وهيئات التوظيف المحررة حصصها أو أسهمها بعملات أجنبية، إضافة إلى توسيع نطاق الاستثمار ليشمل سندات هيئات التوظيف الجماعي العقاري (OPCI) وكذلك المشتقات المالية، سيفتح القانون الجديد آفاقا جديدة أمام استراتيجيات استثمار مبتكرة، وسيمكن من الاستجابة بشكل أفضل لاحتياجات المستثمرين المؤسساتيين.
وبهذه المناسبة، أود أن أعبر عن تقديري الكبير للالتزام والتعبئة التي اتسمت بها جميع الأطراف المعنية، والتي جعلت هذه الإصلاحات ممكنة، وفي مقدمتها السيدة وزيرة الاقتصاد والمالية، ومديرية الخزينة والمالية الخارجية، وجمعية شركات التسيير وصناديق الاستثمار المغربية (ASFIM)، وكافة المهنيين، وبالطبع فرق عملنا في الهيئة المغربية لسوق الرساميل.
ويفرض علينا هذا الإصلاح من خلال الآفاق الجديدة التي يفتحها مواصلة العمل بنفس الالتزام والانضباط. وأود هنا تأكيد عزمنا الراسخ على مواكبة تنمية هذا القطاع، مع السهر على الحفاظ على بيئة شفافة ومنصفة وآمنة.
ونتعهد بأن نظل صارمين في تطبيق هذا المبدأ الأساسي الذي يعتبر أكبر ضمانة لثقة المدخرين: كل قرارات الاستثمار يجب أن تتخذ حصريا في مصلحة المدخرين المكتتبين.
وبناء على ذلك، سيتعين على شركات التسيير الالتزام بقواعد جديدة تهدف إلى تعزيز حماية المستثمرين، كما ستكون مطالبة بتقوية مواردها لضمان متابعة فعالة للمخاطر التشغيلية ولمخاطر المحافظ الاستثمارية.
فحماية المستثمرين ونزاهة الأسواق هما الركيزتان الأساسيتان اللتان وجهتا عملنا وأسهمتا في تحقيق هذه الإنجازات الكبرى.
ومن خلال الاستمرار في نهج رقابة استباقية عادلة ومنصفة، سنضمن ترسيخ أسس الجاذبية والنمو والقدرة على الصمود في سوق الرساميل.