أخنوش يمد يده للمغاربة قبيل الانتخابات.. والعلمي يهاجم البيجيدي على خلفية تقرير العدوي
في جو سياسي متوتر طغت عليه تداعيات التقرير الأخير الصادر عن المجلس الأعلى للحسابات، اختار حزب التجمع الوطني للأحرار الرد بأسلوب سياسي مباشر ومبادر، مستعرضًا من خلاله ملامح "مسار الإنجازات" كآلية دفاع وهجوم في آن واحد.
فقد حملت التصريحات التي أدلى بها رشيد الطالبي العلمي، عضو المكتب السياسي للحزب، في لقائه بمناضلي الحزب بجهة كلميم وادنون، رسائل مشفرة وأخرى صريحة، لخصت موقف الحزب من المشهد السياسي الحالي، وأبرزت استعداده المبكر لخوض معركة 2026 التشريعية.
رشيد الطالبي العلمي لم يكتف بمجرد الرد على انتقادات المعارضة، بل فتح النار على من وصفهم بـ"غير المحترمين للهيئات القضائية"، في إشارة واضحة لحزب العدالة والتنمية الذي عبّر عن رفضه لمضامين تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول مالية الأحزاب.
وأبرز العلمي أن احترام المؤسسات الدستورية والقانونية هو شرط أساسي لممارسة الفعل السياسي، مشددًا على أن من يتنكر للقانون لا يمكنه أن يشرع أو يقود التغيير. وفي نبرة واثقة، أعلن العلمي أن حزب "الحمامة" هو من سيقود الحكومة في أفق 2026، مما يعكس ثقة قيادة الحزب في رصيده السياسي والحكومي خلال السنوات الأخيرة.
في نفس السياق، حرص العلمي على التأكيد أن حزب التجمع الوطني للأحرار لا يشتغل بمنطق الزعامات أو الخطابات الجوفاء، بل يرتكز على رؤية سياسية قائمة على العمل والانصات والتنفيذ.
وأثنى على الدور الذي لعبه مصطفى بايتاس، المدير العام للحزب، في تمكين المجلس الأعلى للحسابات من جميع الوثائق والمعطيات المطلوبة، مما يدل على الشفافية التي ينتهجها الحزب، وفق تعبيره.
وأضاف أن الحزب بعد انتخابات 2016، أعاد ترتيب صفوفه حول شخصية عزيز أخنوش، الذي استطاع إذابة الخلافات الداخلية وتوحيد تنظيمات الحزب تحت سقف مشروع سياسي ذي طابع اجتماعي واقعي.
التجمع الوطني للأحرار، بحسب المتحدث ذاته، اختار أن يستجيب لأولويات المواطن المغربي التي تتجسد في ثلاثية التعليم، التشغيل والصحة، وهي مرتكزات "مسار الثقة" الذي تحول إلى برنامج حكومي نال دعم أكثر من 70 في المائة من الناخبين، ما يمثل – وفق قوله – رسالة قوية للذين يشككون في الخيار الديمقراطي.
وردًا على الاتهامات الموجهة للحزب بشأن قيامه بحملة انتخابية سابقة لأوانها، اعتبر العلمي أن ما يقوم به الحزب هو تأطير سياسي طبيعي يندرج في صلب أدواره الدستورية، وأن الحكومة الحالية قوية بأغلبيتها وبرنامجها، وهي تسير بخطى ثابتة نحو استكمال ولايتها بنجاح.
من جانبه، أضاف رئيس الحزب ورئيس الحكومة عزيز أخنوش بعدًا ميدانيًا لتلك الرسائل السياسية، من خلال تأكيده أن "نقاش الأحرار" الذي سبق محطة كلميم لم يكن مجرد لقاء تواصلي تقليدي، بل مناسبة للاستماع الحقيقي لملاحظات وانتقادات المواطنين.
أخنوش، الذي شدد على أن حكومته "حكومة المعقول"، دعا المواطنين إلى الجهر بكلمة الحق، ما دام الهدف الأسمى هو ضمان مستقبل أفضل لأبناء الوطن، وهو ما يثبت أن حزبه يستحق أن يتصدر الانتخابات المقبلة.
وأوضح رئيس الحكومة، أن لقاءات "مسار الإنجازات" ليست فقط منصات لاستعراض ما تحقق، بل هي أيضًا فرص لتقويم المسار والانفتاح على تطلعات المواطنات والمواطنين، مبرزًا أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تُنجز إلا بالشراكة الصادقة مع المواطن الذي يُعد الطرف الأساسي في كل معادلة إصلاحية.
وأشار إلى أن جهة كلميم وادنون تشكل نموذجًا لهذا الالتزام، حيث تعرف إنجاز مشاريع استراتيجية كبرى، مثل مشروع تحلية مياه البحر الذي من شأنه إحداث طفرة في الأنشطة الفلاحية، عبر توسيع المساحات الزراعية وتوفير فرص شغل قارة.
كما سلط أخنوش الضوء على دعم الفلاحة التضامنية، خصوصًا في مجال زراعة الصبار، من خلال إدخال أصناف جديدة مقاومة للآفات، في خطوة تهدف إلى إعادة الاعتبار لهذا المورد الفلاحي.
ولم يغفل التطرق إلى الإصلاحات التربوية، لا سيما من خلال تعميم نموذج "مدارس الريادة" في الجهة، وفتح آفاق واعدة بتخريج مئات الأطباء بحلول 2029 من كلية الطب بكلميم، ما من شأنه تعزيز العرض الصحي في المنطقة.
رئيس الحكومة، الذي بدا واثقًا من مسار حكومته، أكد أن الكفاءات الوزارية المنتمية لحزبه، ومعها باقي مكونات الأغلبية، تعمل بجد ومسؤولية، ملتزمة بتنفيذ البرامج المسطرة إلى آخر لحظة من الولاية.
وأضاف أن "مسار الإنجازات" هو ثمرة رؤية ملكية سامية وبرنامج حكومي منسجم، وليس مجرد مشاريع حزبية معزولة، ما يعكس التقاء الإرادة السياسية مع المصلحة الوطنية.
بين التصعيد السياسي من جهة، وخطاب التنمية الواقعية من جهة ثانية، يبدو أن التجمع الوطني للأحرار اختار أن يرفع من منسوب حضوره السياسي والجماهيري مبكرًا، في محاولة لصناعة أفق انتخابي جديد يرتكز على منجزات ملموسة وخطاب سياسي هجومي تجاه خصومه.
مشهد يوحي بأن الفترة المتبقية على انتخابات 2026 ستكون حبلى بالمواقف والتجاذبات، وسط صراع مفتوح على الشرعية، الأداء، والمشروعية السياسية.