سباق تصاميم التهيئة يحتدم بالبيضاء.. وانفراج جزئي في ملف الحي المحمدي
مع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية للمجالس المنتخبة، عاد ملف تصاميم التهيئة العمرانية بمدينة الدار البيضاء إلى واجهة النقاش، في ظل تسارع المصادقة على عدد من الوثائق التعميرية بمقاطعات مختلفة، مقابل استمرار التعثر والجدل بشأن مشاريع أخرى، وفي مقدمتها تصميم التهيئة الخاص بمقاطعة الحي المحمدي، الذي تحول إلى أحد أبرز الملفات العمرانية والاجتماعية المطروحة على مستوى العاصمة الاقتصادية.
وشهدت الفترة الأخيرة تطورات متباينة في هذا الملف، بعدما دخلت تصاميم التهيئة الخاصة بمقاطعات المعاريف وعين السبع والصخور السوداء حيز التنفيذ، عقب استكمال مساطر المصادقة ونشر المراسيم المتعلقة بها في الجريدة الرسمية، وهو ما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من تنظيم التوسع العمراني وتحديد استعمالات الأراضي وضوابط البناء والتجهيزات العمومية بهذه المناطق.
وفي هذا السياق، صودق رسميا على تصميم التهيئة الخاص بمقاطعة المعاريف بموجب المرسوم رقم 2.26.658، المنشور بالجريدة الرسمية، ليشكل إطارا قانونيا جديدا لتوجيه التحولات العمرانية التي تعرفها هذه المنطقة الحيوية، من خلال ضبط استعمالات المجال وإعادة تنظيم عدد من القطاعات الاقتصادية والسكنية والخدماتية.
ومن أبرز المشاريع التي يتضمنها التصميم إعادة هيكلة سوق درب غلف، عبر هدمه وإعادة بنائه في الموقع نفسه، بهدف تحويله إلى فضاء تجاري أكثر تنظيما، يستجيب لمتطلبات السلامة والجودة والتأهيل الحضري، بالنظر إلى المكانة الاقتصادية والتجارية التي يحتلها هذا السوق داخل المدينة.
كما دخل تصميم التهيئة الخاص بمقاطعة الصخور السوداء حيز التنفيذ بموجب المرسوم رقم 2.26.711، إلى جانب تصميم مقاطعة عين السبع الذي تمت المصادقة عليه بموجب المرسوم رقم 2.26.735، حيث نُشرت المراسيم الثلاثة في العدد الصادر من الجريدة الرسمية بتاريخ 27 أكتوبر 2026.
وتمنح هذه المصادقات للمناطق المعنية مرجعية قانونية وتنظيمية لتدبير المجال العمراني خلال المرحلة المقبلة، من خلال تحديد طبيعة استعمال العقارات، وضبط شروط البناء والتعمير، فضلا عن تخصيص المساحات الضرورية لإنجاز المرافق والتجهيزات ذات المنفعة العامة، وفق المقتضيات القانونية المنظمة للتعمير.
غير أن هذه الدينامية لم تشمل جميع مقاطعات الدار البيضاء بالوتيرة نفسها، إذ لا يزال مشروع تصميم التهيئة الخاص بمقاطعة الحي المحمدي يراوح مكانه، بعدما واجه اعتراضات من المنتخبين والساكنة، بسبب عدد من المقتضيات التي أثارت مخاوف بشأن مستقبل بعض الأحياء التاريخية والشعبية، وانعكاسات التصنيفات العمرانية المقترحة على الوضعية العقارية والاجتماعية لقاطنيها.
وكان مجلس مقاطعة الحي المحمدي قد عقد، في 3 أبريل 2026، دورة استثنائية خصصت لمناقشة المشروع، انتهت إلى رفضه بصيغته المعروضة والمطالبة بسحبه وإعادة دراسته، مع ضرورة إدماج ملاحظات المجلس وتعرضات السكان ضمن تصور جديد يستجيب لخصوصية المنطقة وانتظارات قاطنيها.
وتركز جانب كبير من الاعتراضات حول تصنيف مناطق تضم أحياء ذات امتداد تاريخي وشعبي، من بينها درب مولاي الشريف ودرب السعد وبلوك الرياض، ضمن المجالات الموجهة للتجديد الحضري، وهو ما فتح نقاشا واسعا بشأن الضمانات القانونية والاجتماعية التي يفترض توفيرها لحماية حقوق المالكين والسكان، والحيلولة دون المساس باستقرارهم أو دفعهم إلى مغادرة أحيائهم نتيجة عمليات إعادة الهيكلة.
ولم تقف تداعيات هذا الوضع عند حدود الاختلاف حول التصور العمراني للمنطقة، بل امتدت إلى مسألة التراخيص المرتبطة بالبناء والهدم والإصلاح، في ظل تسجيل صعوبات في تسوية عدد من الملفات العقارية والتعميرية، الأمر الذي زاد من حالة الترقب لدى السكان، الذين وجدوا أنفسهم في انتظار حسم مصير التصميم، بالتوازي مع حاجتهم إلى صيانة مساكنهم وترميمها.
وفي تطور جديد، كشفت التنسيقية المدنية لأرباب درب مولاي الشريف ودرب السعد وبلوك الرياض، في بلاغها رقم 6 الصادر بالدار البيضاء، عن مستجدات مرتبطة بمشروع تصميم التهيئة الجديد بمنطقة الحي المحمدي، وذلك عقب اجتماع انعقد مؤخرا بمقر عمالة مقاطعات عين السبع ـ الحي المحمدي، خُصص لتدارس عدد من القضايا المرتبطة بالتصميم والمناطق المعنية به.
وأفادت التنسيقية بأنها توصلت، عقب هذا اللقاء، بملخص غير رسمي يتضمن مجموعة من المستجدات والقرارات المرتبطة بالملف، من بينها ما يتعلق بالسماح بعمليات الإصلاح والترميم داخل مجموع النفوذ الترابي للملحقة الإدارية لدرب مولاي الشريف، إلى جانب إعادة النظر في بعض المقتضيات والنقاط المرتبطة بالمادة 46 من نظام التهيئة، فضلا عن قضايا أخرى تهم مستقبل المنطقة.
واعتبرت التنسيقية هذه المستجدات مؤشرات إيجابية في مسار معالجة الملف، خاصة أنها تتيح للسكان إمكانية التدخل لصيانة مساكنهم وإصلاحها، وتخفف من القيود التي أثارت مخاوف واسعة خلال الفترة الماضية، دون أن يعني ذلك انتهاء النقاش بشأن الصيغة النهائية لتصميم التهيئة.
وشددت الهيئة المدنية، في المقابل، على أن هذه التطورات تظل مرتبطة بما سيتضمنه التصميم الجديد في صيغته الرسمية والنهائية، مطالبة بأن يقوم على مقتضيات قانونية واضحة ومنصفة، تحفظ حقوق المالكين والساكنة، وتضمن لهم حق الإصلاح والترميم والتصرف المشروع في ممتلكاتهم، مع صون الذاكرة العمرانية والتاريخية للأحياء المعنية.
كما دعت التنسيقية إلى اعتماد مقاربة تشاركية في استكمال معالجة الملف، تقوم على التواصل المؤسساتي والتفاعل مع الملاحظات والمقترحات، بعيدا عن أي اعتبارات ضيقة، مع التأكيد على ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات التخطيط الحضري وحماية الحقوق المكتسبة للسكان.
ويضع هذا التطور السلطات والجهات المعنية أمام مسؤولية استكمال المسار القانوني والمؤسساتي للتصميم، بما يضمن عدم الاكتفاء بمعالجة الإشكالات الآنية المرتبطة بالتراخيص والإصلاح، وإنما التوصل إلى وثيقة تعميرية تستجيب لحاجيات المنطقة وتحافظ على خصوصيتها الاجتماعية والعمرانية.
وبين دخول تصاميم المعاريف وعين السبع والصخور السوداء حيز التنفيذ، واستمرار انتظار الحي المحمدي لصيغة نهائية تحظى بقبول الساكنة والمنتخبين، تتباين حصيلة تدبير وثائق التعمير بالدار البيضاء خلال المرحلة الأخيرة من الولاية الانتدابية للمجالس المنتخبة.
ويعيد هذا التباين طرح أسئلة بشأن قدرة المجالس والسلطات المعنية على تسوية الملفات التعميرية العالقة قبل نهاية ولايتها، خصوصا أن الأمر لا يتعلق بمجرد وثائق تقنية تحدد مسارات البناء والتوسع العمراني، بل بقرارات لها انعكاسات مباشرة على الممتلكات والاستقرار الاجتماعي ومستقبل أحياء بكاملها.