هل ما زالت الجماعات الترابية تحكم... أم تُحكم؟!
بقلم: محمد الطبيب*
رغم مرور أكثر من عقد على إقرار دستور 2011، لا تزال الجماعات الترابية في المغرب تعاني من اختلالات هيكلية تعرقل انتقالها نحو ديمقراطية تشاركية حقيقية. فبين الصلاحيات النظرية والقيود العملية، تضيع التنمية المحلية، ويتزايد نفور المواطنين من مؤسسات منتخبة لا تستجيب لتطلعاتهم، ولا تعكس نبضهم.
فإذا كانت الجهوية المتقدمة قد شرعت لها الأبواب دستوريا، فإن الواقع يظهر أن الأبواب الإدارية والمالية لا تزال موصدة، والقرار المحلي في كثير من الحالات، رهينة لسلطات الوصاية أو نقص الكفاءة، أو ضعف المشاركة.
أين الخلل؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
لا يمكن الحديث عن اختلالات الجماعات دون الإشارة إلى مسؤولية وزارة الداخلية بصفتها الفاعل المركزي في تأطير، هيكلة، وتوجيه العمل الترابي. إذ تقع على عاتقها مسؤولية تاريخية لوضع تصور جديد لهيكلة الجماعات الترابية، تصور يتجاوز المنطق القديم القائم على التحكم، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على التمكين.
تمكين الجماعات من موارد مالية كافية، من صلاحيات تنفيذية فعلية، من كفاءات بشرية مؤهلة، ومن قدرة على اتخاذ القرار دون انتظار التعليمات. فهل يعقل أن تبقى جماعات عاجزة عن إنجاز برامجها التنموية لأنها تنتظر التأشير من المركز؟!
بين خطب ملكية وتوصيات دولية... وبين واقع متجمد؟
لقد كانت خطب جلالة الملك محمد السادس واضحة في التأكيد على ضرورة تسريع وتيرة تنزيل الجهوية المتقدمة، واعتبارها أداة حقيقية لتحقيق العدالة المجالية وتقريب القرار من المواطن. كما خلصت مناظرة طنجة 2024 إلى توصيات جريئة دعت إلى إعادة توزيع الصلاحيات، وتعزيز استقلالية القرار المحلي، وتفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري.
لكن إلى اليوم، ما زالت الجماعات تسير بعقلية التقييد لا التمكين، وتراقب بمنطق الشك لا بمنطق المحاسبة التشاركية، ما يجعل العملية الديمقراطية المحلية شبيهة بإدارة شكلية بدل أن تكون سلطة فاعلة ومبادرة.
من أجل قطيعة حقيقية مع العبث المحلي؟
إذا أردنا نموذجا ترابيا جديدا ينسجم مع روح الجهوية المتقدمة، ويحقق ديمقراطية تشاركية فعلية، فإن البداية يجب أن تكون؛ بمراجعة جذرية للمنظومة القانونية والتنظيمية للجماعات بما يفعل الصلاحيات لا يفرغها من محتواها؛ و مأسسة المشاركة المواطنة ليس فقط عبر مجالس استشارية شكلية بل من خلال آليات حقيقية للتشاور والتأثير في القرار؛ مع إطلاق دينامية تكوين وتأهيل المنتخبين والأطر، لتجاوز العجز المزمن في الكفاءة؛ والعمل على رقمنة شاملة وشفافة لكل ما يخص التدبير المالي والإداري المحلي؛ والأهم هو وضع مؤشرات موضوعية لتقييم أداء الجماعات، مرتبطة بجودة الخدمات، ومدى إشراك المواطنين، وحجم الإنجاز التنموي.
من أجل جماعات لا تحكم، لا يمكن أن تحاسب!
فكيف نحاسب جماعة لا تحكم فعليا؟ وكيف نطلب من منتخب محلي أن ينجز وهو لا يملك حرية اتخاذ القرار أو تدبير الموارد؟!
ان الإصلاح الحقيقي يبدأ من تحرير الجماعات من منطق الوصاية المبالغ فيها، وإعادة الثقة للمواطن من خلال الشفافية، المشاركة، والنجاعة.
نحن أمام فرصة تاريخية لخلق جماعات ترابية فاعلة مبادرة ومبدعة... أو استمرار في إنتاج مجالس تسير على الورق، وواقع محلي لا يسائل سوى المواطن البسيط.
وزارة الداخلية مطالبة اليوم قبل الغد بوضع حد لزمن التدبير المركزي المكبل، وإطلاق مرحلة جديدة من اللامركزية الفعلية؛ تترجم خطب الملك وتوصيات مناظرة طنجة إلى ممارسة يومية تشعر المواطن بجدوى صوته، وبأن التنمية تبدأ من جماعته... لا من التعليمات.
*عضو الهيئة التنفيذية لجمعية الدفاع عن حقوق الإنسان